أفكار ومواقف

استمرار تعطيل المؤسسات الثقافية!

خلال نهاية الأسبوع الماضي، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بجدل كبير، واحتجاجات عديدة على استمرار قرار الحكومة تعطيل المؤسسات الثقافية، وعدم السماح بفتح أبوابها لاستقبال الرواد.
الجدل بدأته الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان، فالنتينا قسيسية، والتي كتبت على صفحتها على «فيسبوك» تقول: «طفح الكيل!!! رح أنزل أراجيل يوم السبت وأفتح المكتبة. أهلا وسهلا بكم في مقهى وأراجيل الثقافة»!
المسألة لم تكن مبالغة من قسيسية، فبصراحة مطلقة، الأمر لا يبدو مفهوما لدى من يراقبون المشهد المحلي. ففي الوقت الذي سمح فيه لقطاعات واسعة من العودة إلى العمل، بقيت مسألة المؤسسات والأندية والمراكز الثقافية معلقة، كما لو أنها قطاعات هامشية لا أهمية لها!
السوداوية التي عبر عنها الإدراج السابق، هو مرارة يستشعرها معظم العاملين في القطاعات الثقافية المختلفة حين يرون أن جميع القطاعات لها أولوية عليهم، بينما الخطاب المعلن للدولة غالبا ما «يساير» عملهم واصفا إياه بأنه اللبنة الأساسية للتقدم. هذا على مستوى الخطاب المعلن، ولكن التطبيق العملي يضعهم في ذيل قائمة القطاعات!!
المقاهي والمطاعم عادت للعمل، وهي قطاعات استهلاكية بحتة. ولو قام أي شخص بزيارة إلى أحدها فسوف يرى كيف تتم الإطاحة بجميع بروتوكولات الصحة والسلامة العامة التي لا يراعيها كثير من المشغلين أو المستفيدين من خدمات تلك الأماكن.
في المقابل، عمد الكثير من المؤسسات والمراكز الثقافية إلى وضع دليل سياسات وإجراءات صارم للتعامل مع ظروف العمل الخاصة في ظل جائحة كورونا. هذه الأدلة ليست مجرد حبر على ورق، بل هي التزام صارم من تلك المؤسسات يقتضيه الظرف الدقيق، والمسؤولية الوطنية والأخلاقية التي توجب التزاما حديديا بتلك المعايير.
نحن لا ندعو إلى إغلاق هذه القطاعات الاقتصادية التي بدأت بالتعافي خلال فترة ما بعد الإغلاق الكبير، والذي أثر كثيرا على دخول جميع العاملين، ولكننا ندعو إلى شيء من العدالة في النظر إلى الجميع، وأن يتم السماح بعودة الجميع إلى العمل ضمن ضوابط الصحة والسلامة.
لكن الثابت، هو أن الحكومة، وللأسف الشديد، لم تفهرس المؤسسات الثقافية من ضمن القطاعات الحيوية ذات الأولوية في حياة المجتمع، إذ اعتمدت في معاييرها على البعد الاقتصادي الآني، والحاجة إلى تدوير العجلة الاقتصادية بين المنتجين والبائعين والمستهلكين، بينما نسيت في وسط هذا التقييم مئات المؤسسات الثقافية والريادية والتنموية، والتي هي أساس التقدم الذي يقود العجلة الاقتصادية في كل مجتمع.
في تقرير تلفزيوني بثته مؤخرا، أشارت قناة «المملكة» إلى وجود أكثر من 1500 مكتبة عامة ما تزال أبوابها مغلقة وخاوية من الرواد. الطلبة، وخصوصا في الدراسات العليا، هم أول الضحايا الذين عانوا من هذا الإغلاق. لكن هذا على اعتبار النظر إلى المكتبات ضمن الوظيفة الأولية البسيطة لها كمكان للقراءة فقط، وهي نظرة قاصرة كثيرا لما أصبحت عليه المكتبة العامة اليوم التي تحولت إلى مكان لتلاقي الأفكار والتغيير المجتمعي الإيجابي.
مراكز ثقافية أخرى تقدم علوما لا نجدها في المدرسة التقليدية، خصوصا التعليم اللانمطي الذي يندرج تحته كل علوم العصر الحديث، من تفكير ناقد وأساسيات الهندسة والكهرباء والروبتة. مثل هذه المراكز لا يمكن لها النجاح في «العمل عن بعد»، فالوجود الفعلي في بيئة خاصة هو أساس هذا النوع من التعليم، خصوصا أنه يحتاج إلى إدوات خاصة توفرها هذه المراكز للمتعلمين.
استمرار تعطيل هذه المؤسسات خطأ كارثي كبير، وقصور واضح في نظرة الحكومة إلى القطاعات الحيوية، وتهميش غير مقبول لأهمية هذه المؤسسات في حياة المجتمعات، وأقل ما يتوجب عمله هو السماح بعودتها فورا إلى العمل، من أجل أن نحسن الظن بالإجراءات الحكومية التي ما نزال نتساءل عن كثير منها من دون أن نجد الإجابة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock