آخر الأخبار حياتناحياتنا

اضطراب “التخزين والاكتناز”.. حالة نفسية تصل إلى حد “الهوس”

تغريد السعايدة – يتعلق الإنسان بمقتنيات يحتفظ فيها ببيته وغرفته أو مكتبته، تحمل كما من الذكريات العزيزة عليه، ولكنها مع مرور الوقت قد تصبح عبئا على المكان والنفس في ذات الوقت، وليست ذات قيمة في بعضها، ولكن يأبى الشخص التخلص منها دون سببٍ يُذكر.

داخل الغُرف، أو بالأدراج، وأحياناً صناديق كرتونية كبيرة، مليئة بالأدوات أو ملابس، ونثريات قد لا تجد لها مكاناً في البيت، إلا أن مالكيها يحتفظون بها لسنوات طويلة، بل إن بعضهم يأخذونها معهم في حال الانتقال لبيت آخر، في حالة نفسية سلوكية يُطلق عليها علم النفس “اضطراب الاكتناز أو التخزين”.

جميلة العمر، ربة منزل ولديها بيت كبير فيه غرفة تخزين كبيرة على السطح العلوي، تحاول أن تضع فيه الكثير من المقتنيات التي لا تستخدم أغلبها، وفي بعض منها تجاوز عمرها عشرات السنوات، وفي كل مرة تحاول أن تتخلص منها تجد نفسها مرغمة على إعادتها إلى المخزن دون وعي منها، على حد تعبيرها.

بعض من تلك النثريات في جزء كبير منها “ألعاب قديمة، حقائب صغيرة، ملابس أطفال، دفاتر وكتب”، وجميعها لا تستخدمها أبداً، إلا أنها جزء من طفولة أبنائها الذين باتوا اليوم شباباً في الجامعة، ولكن لا تجد ضيرا من الاحتفاظ بحقيبة ابنها وهو في الصف الأول، على الرغم من أنه الآن بات على أبواب التخرج من الجامعة.

ألعاب مضى وجودها في المخزن أكثر من عشرين عاماً، “لم يهن عليّ أن أتخلص منها وهي تذكرني بأول سنوات العمر لأبنائي”، تقول العمر، إنها تشعر في كل مرة أنها ليست بحاجة للكثير من الأغراض المتكدسة في المخزن، ولكن يراودها دائماً الشعور بأنها سوف تندم في حال تخلصت من تلك المقتنيات، لتعاود وضعها مرة أخرى في مكانها.

في العام 2018، بينت دراسة أُجريت على 18 ألف شخص في 20 دولة حول الأشخاص الذين يفضلون الاحتفاظ بملابسهم في الخزانة، ليتبين أن المواطنين الفرنسيين يتركون 68 % من ملابسهم في خزانة الملابس دون استخدامها، واليابانيون يتركون 72 % من ملابسهم، ويترك الإيطاليون 81 % من ملابسهم محتفظين بها.

كما بينت ذات الدراسة التي نُشرت على موقع “موفينجو” الأميركي، أن %82 من الأميركيين لديهم سوء استخدام في ملابسهم ويظلون محتفظين بها في الخزانة، وعلى الرغم من أن الدراسة اقتصرت على تخزين الملابس فقط، إلا أن اضطراب التخزين أو الاكتناز تنطبق على الكثير من المقتنيات التي يمتلكها الإنسان في بيته ومحيطه.

ومن الأمثلة على ذلك أيضاً، ما تقوم به بعض ربات المنازل من الاحتفاظ بالكثير من أدوات المطبخ والأكواب، التي مرّ على وجودها في المنزل عشرات السنين، كما تفعل أم علي، التي اضطرت إلى بناء مخزن صغير بجانب بيتها “الأرضي”، من أجل أن تضع فيه صناديق مليئة بأدوات المطبخ التي لا تستخدمها منذ سنوات.

ومن ضمن الأغراض التي تحتفظ بها أم علي في مخزنها مجموعة من ادوات المطبخ التي ورثتها عن والدتها، والتي يزيد عمرها الزمني على 60 عاماً، وهي لا تستخدمها بتاتاً، إلا أنها لا تقوى على التخلص منها مهما مرّ عليها من الزمن، بالرغم من أنها تعتبرها احياناً عبئا على كاهلها كونها تضطر إلى تنظيفها وتعزيلها ما بين الحين والآخر.

بيد أن هناك أشخاصا أصبح لديهم هوس التخزين من باب الهواية وبدافع حفظ ما يعيد لهم ذكريات الماضي، وقد يصل هذا الهوس بالشخص إلى أن تتحول من حالة نفسية إلى هواية فقط، بل ويجد استحساناً من الآخرين ويجد فيها فرصة للترويج لتلك المقتنيات واستقطاب الإعجاب والإطراء من الآخرين.

غير أن ما يمكن وصفه بالحالة المرضية النفسية، والتي قد يحتاج البعض فيها إلى العلاج، في حال ازداد الأمر عن حدوده الطبيعية التي يقررها آنذاك الطبيب او المعالج النفسي الذي قد يُشرف على الحالة.

من جهته، يوضح اختصاصي الصحة والطب النفسي الدكتور أحمد عيد الشخانبة أن التخزين القهري او الاكتناز هو احد أشكال أو أنواع اضطراب الوسواس القهري، والذي يمكن وصفه بأنه قيام الشخص المقصود بالاحتفاظ بالأشياء غير المهمة ولا يستخدمها مثل المجلات والجرائد القديمة والمرطبات والعلب الفارغة، أو اي شيء لا يمكن الاستغناء عنه، رغم أن لا حاجة له.

هذه المكتنزات قد تكون سبباً في حدوث كركبة في مكان حفظها، بحيث يمتلأ البيت بهذه الاشياء غير المهمة، وفق الشخانبة، لذلك يُصنف علم النفس هذه الحالة بأنها سلوك خاطئ، حيث أنه في حال تخلص منها واضطر إلى رميها في النفايات مثلاً، يشعر بالضيق الشديد وتأخذه الأفكار الوسواسية وتسبب له الإزعاج لاعتقاده بأنه يمكن أن يحتاجها في المستقبل.

هذا الأمر والتفكير بهذه الطريقة، قد تكون سبباً في إحداث افكار لا إرادية لدى الشخص، كما يبين الشخانبة، وتصبح تلك الهواجس تتكرر في دماغه من دون وعي، وأكثر من مرة في اليوم، وقد يجد نفسه يخرج من البيت ويعيد هذا الشيء غير المهم الذي كان قد تخلص منه للتو، ويقوم بالاحتفاظ به في مكانه، ويكون السبب في ذلك “تكرار وإلحاح هذه الأفكار في دماغه مرة بعد مرة”.

ويؤكد الشخانبة أنه في حال ازدادت الحالة السلوكية عن الحد المقبول “والمعقول” في حفظ الأشياء، فإنه من الأهمية بمكان أن يحصل الشخص على علاج سلوكي معرفي خاص بالوسواس القهري، الذي يُصنف إلى عدة أصناف، ومنها “وسواس التخزين والاكتناز”.

ويُشار إلى أن الشخانبة كان قد ألف كتاباً تحت عنوان “التدريبات العملية لعلاج الوسواس القهري” والذي تناول في فصلٍ كامل الحديث بالتفصيل عن وسواس التخزين، حتى يتعرف على كل التفاصيل أي شخص يشعر بأن لديه هذا النوع من الوسواس.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock