ترجمات

اعترافات متشكك في “كوفيد- 19”

فريدي غراي* – (ذا سبيكتيتور) 11/4/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يحب بعض المتشككين، المتشددين، في “كوفيد- 19” التلميح بشكل غامض إلى السبب الحقيقي للإغلاق العالمي: يتعلق الأمر بإعادة الانتخاب المحتمل لدونالد ترامب؛ أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إنه حرب عصابات يشنها مجانين تغير المناخ. إنه يتعلق بالحرب التجارية مع الصين. إنه شيء يتعلق بتمويل منظمة الصحة العالمية. إنها محاولة بكين للهيمنة. إنه… انظروا، كل ما أقوله هو أن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام.

  • * *
    وفقاً لعلماء النفس، فإن الإنكار هو آلية دفاع شائعة. نحن البشر نرفض الحقائق التي نجد تحملها غير مريح. عندما يصبح الواقع مؤلمًا للغاية، فإننا نرفض الاعتراف به. وكلما تراكمت الأدلة ضدنا، زاد إصرارنا على أن كل شيء على ما يرام.
    أخشى أنني ربما أفعل ذلك بالتحديد كرد فعل على جائحة فيروس كورونا. كل يوم أشاهد ارتفاع عدد القتلى العالمي -هذا النمو الهائل المرعب الذي يتم إخبارنا عنه. أرى صور المصابين من المستشفيات. وأقرأ تغريدات العاملين في الخطوط الأمامية في خدمات الصحة الوطنية، والتي يقولون فيها كم هي الأمور يائسة، أو منشورات “فيسبوك” لأشخاص ينعون القتلى. وأفكر: لا يمكن أن يكون الأمر بهذا السوء. أليس هذا كله هستيريا؟ ألا يموت الناس دائماً في المستشفيات؟ ألسنا ندمر بما نفعل الآن الاقتصاد العالمي كله، وربما حضارتنا أيضاً، بناء على نصيحة عدد قليل من علماء الكارثة؟ أليس الطقس جميلاً بعد كل شيء؟
    وإذن، ساعدني يا إلهي، أنا متشكك، ومنكر، لـ”كوفيد- 19″. وأخمن أنك ربما تكون واحدًا أيضًا. ونحن لسنا وحدنا. إن المنكرين لـ”كوفيد” هذا في كل مكان.
    يقول خصومنا، العاكفون على إثارة الفزع، إننا نزقون ومنظرو مؤامرة. ونحن نفضل أن نعتقد بأننا العقلانيون المتشككون في عالم فاقد الصواب. يريد المتشككون الحقيقة فقط، نقول لأنفسنا. نحن نشك في قدرة القتل المرعبة لـ”كوفيد- 19″، ونحن مستاؤون بشدة من أنه، وسط جنون الإغلاق، لا يُسمح لنا بأن نقول على الملأ ما نعتقد به من دون أن نسمع أناساً يقولون لنا إننا “نقتل الناس حرفياً”.
    وهكذا، مثل الملحدين في دولة دينية، أو الرافضين في إنجلترا الإليزابيثية، نذهب إلى تحت الأرض -إلى التخفي والعمل في السر. نحن مجتمع سري -متمردون شجعان ضد الوبائية. ونحن نرسل إلى بعضنا بعضا رسائل الدعم، مرفقة بروابط لمقالات مفيدة حول فتك الانفلونزا. ونحن نسخر من كل “التلويح بالفضيلة” الموالية لخدمات الصحة الوطنية على وسائل التواصل الاجتماعي، وبذلك نلوح بفضيلتنا نحن داخليًا. إننا لسنا من أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بأن تنجرف مع التيار. ونحن نرسل إلى بعضنا بعضا بواسطة “واتسآب” مقاطع فيديو أخرى لبيتر هيتشنز، رئيس أساقفة كوفيريدوثريزم، مثل مراهقين يشاركون المواد الممنوعة. ونرسل مقتطفات من أقوال رجال التاريخ العظماء: “الحقيقة لا جدال فيها. قد يهاجمها الخبث، وقد يزدريها الجهل، ولكن في النهاية، ها هي ذي”. هذا تشرشل، أعني. وكان ليقف في جانبنا.
    ونحن نتعقب الأبحاث المتشككة في الوباء مثلما تطارد الأسود الظباء. وقد أصبح “مركز أكسفورد للطب المبني على البراهين” الآن بمثابة قراءة إجبارية بالنسبة لنا. ونحن نستمتع بالعلم الذي يؤكد انحيازاتنا ونسخر من النوع الذي لا يفعل. إننا نكره، بشغف، نيل فيرغسون، المؤمن بصوابه الذاتي في كذا وكذا من كلية إمبريال، التي تسببت دراستها المخيفة في دفع الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى تبني استراتيجيات الإغلاق الوغد.
    في كثير من الأحيان، لا نفهم التحليلات الإحصائية المعقدة التي نتشاركها، أو لا نكلف أنفسنا عناء قراءتها. ونحن نعلم أن جماعة الجانب الآخر -جماعة التخويف- جاهلون بالمثل، ولذلك لا عار هنا. ونحن نضيف صيغ التحذير إلى عباراتنا: كل ما أقوله هو كذا؛ هذا لا يعني كذا؛ لا تفهموني خطأ… ثم تأتي الـ”ولكن”ـات: لكن السلطات تخلط بين الناس الذين يموتون بـ”كوفيد” والناس يموتون من “كوفيد”؛ لكن الاختبارات غير كافية والاختبارات معيبة؛ ولكن يجب أن يكون الانتشار أوسع بكثير مما ندركه، وبالتالي فإن معدل الفتك القاتل الحقيقي أقل بكثير؛ لكنّ الإيطاليين لديهم سكان أكبر سناً بكثير؛ لكن مسؤولي الصحة العامة السويديين يرفضون الاستسلام للذعر. لكن، ولكن ولكن…
    قد يكون طريق المتشكك أكثر صعوبة، في بعض الأحيان. نحن لدينا شكوك حول الشكوك. ربما يقتل موقفنا الإنكاري الناس، ربما حتى حرفياً. في الأسبوع الماضي، كشف صديق متشكك عما يعتمل في فكره. وبدّل الجوانب. كان قد تحدث إلى شخص كاد يموت بسبب الفيروس، وأصبح يعتقد الآن أن الوباء يمكن أن يكون أكبر خطر واجهه البشر على الإطلاق. قلت له: هذا عادل بما فيه الكفاية. وفكرت: كانت معرفتك فرصة طيبة.
    يحب بعض المتشككين، المتشددين، التلميح بشكل غامض إلى السبب الحقيقي للإغلاق العالمي: يتعلق الأمر بإعادة الانتخاب المحتمل لدونالد ترامب؛ أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إنه حرب عصابات يشنها مجانين تغير المناخ. إنه يتعلق بالحرب التجارية مع الصين. إنه شيء يتعلق بتمويل منظمة الصحة العالمية. إنها محاولة بكين للهيمنة. إنه… انظروا، كل ما أقوله هو أن هناك شيئاً ما ليس على ما يرام.
    يفضل غالبية المتشككين في “كوفيد- 19″ أن يتسامى غضبنا ويتوجه إلى أطروحات أخرى: نحن نصدر ضوضاء غاضبة حول فقدان الحريات المدنية وتمحور الاستبداد. نحن ساخطون بشأن الدمار الاقتصادي الذي يجري إحداثه. الآن هذه بمثابة نهاية عالم قيد التكوين. ونحن نتحدث عن التكلفة البشرية لـ”كساد عظيم” آخر. كيف يجرؤون على تسميتنا دوغمائيين؟
    نحن نفضل هذه الأطروحات لأنها تعيدنا إلى ذلك الوقت، كل طريق العودة إلى شباط (فبراير)، عندما كنا نعرف ما هو الصحيح: الحرية مهمة. الازدهار يهُم. ونحن نعتنق هذه الحقائق باعتبارها بديهيات. كما أننا نتوق أيضًا إلى العودة إلى المشاحنات حول الشعبوية وما إذا كان الرجل يمكن أن يكون امرأة.
    أكبر مشكلة (ربما الأكبر على الإطلاق) هي أنه لا أحد لديه أي فكرة عما هو الحقيقي والصحيح. كان الكاردينال جوزيف راتزينغر قد تحدث، قبل أن يتحدث البابا بنديكتوس السادس عشر مباشرة، عن “ديكتاتورية النسبية”. وكان ما قصده هو أنه، من دون أي تأسيس في المفاهيم المسيحية للقانون الطبيعي، يميل البشر إلى الإيمان بأي شيء بما أنه يرضي شعورهم بذواتهم. وهذا يتركنا للعيش تحت استبداد، والذي، كما قال راتزينغر، “لا يعترف بأي شيء على أنه مطلق، والذي يترك الـ‘أنا’ وأهواءها فقط كمعيار نهائي”.
    هذا هو ما يحدث مع ذعر “كوفيد-19”. لا أحد يفهم حجم المشكلة حقًا. الجميع تقريباً، المنكرون والمشككون ومثيرو الفزع، لا يدركون أي شيء كيقين. ولا يمكننا أن نعترف بالحقيقة الأكثر رعباً من الجميع: أن أحداً منا لا يعرف أي شيء على الإطلاق.

*محرر في “سبيكتيتور أميركا” ونائب رئيس تحرير المجلة. كان محررًا أدبيًا سابقًا في “ذا أميركان كوسيرفاتيف”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Confessions of a Covid -19 truther

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock