ترجمات

اعتراف بايدن بالإبادة الجماعية للأرمن يُظهر مدى تدهور علاقات بلده مع تركيا

سونر چاغاپتاي – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 24/4/2021

تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، التي كانت فيما مضى من أقرب الحلفاء الإستراتيجيين لأميركا في الشرق الأوسط وجنوب شرقي أوروبا وشرق البحر المتوسط. لكن أسوأ شيء بالنسبة لأنقرة هو اعتراف الحكومة الأميركية أخيراً بأن قتل العثمانيين للأرمن في العام 1915 كان إبادة جماعية. ويعود السبب في ذلك إلى أن الرئيس الأميركي بايدن يدرك أن أردوغان، للمرة الأولى منذ عدة سنوات، يحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر مما تحتاج إليه واشنطن.
* * *
استغرق الأمر من الرئيس الأميركي جو بايدن أكثر من ثلاثة أشهر في المنصب للاتصال بنظيره التركي رجب طيب أردوغان. وهذه الخطوة وحدها هي مؤشر إلى تدهور العلاقات مع دولة كانت فيما مضى من أقرب الحلفاء الإستراتيجيين لأميركا في الشرق الأوسط وجنوب شرقي أوروبا وشرق البحر المتوسط. لكن الأسوأ بكثير بالنسبة لأنقرة كانت الرسالة التي بعثها بايدن حين بادر أخيراً إلى الاتصال بالرئيس التركي في 23 نيسان (أبريل)، كما ذكر موقع “بلومبيرغ” لأول مرة: الحكومة الأميركية تعترف أخيراً بأن قتل العثمانيين للأرمن في العام 1915 كان إبادة جماعية.
لماذا يعامل بايدن نظيره التركي بهذا التعالي السياسي الواضح؟ والأهم من ذلك، لماذا يفي بايدن بالوعد الذي قطعه خلال حملته الانتخابية بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن بينما لم يفعل ذلك أي من أسلافه في البيت الأبيض عند توليهم الرئاسة؟
بالطبع، لا يقصد بايدن أن يكون لئيماً، وإنما يدرك ببساطة أنه للمرة الأولى منذ عدة سنوات، يحتاج أردوغان إلى الولايات المتحدة أكثر مما تحتاج إليه واشنطن. وبناءً على ذلك، يستغل بايدن هذه الثغرة كميزة، آملاً في تصحيح بعض سلوك أردوغان، ومنه خطواته المناهضة للديمقراطية وعلاقاته الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
على مدى سنوات، اعتبرت الولايات المتحدة تركيا مهمة للغاية بحيث لا يجب إقصاؤها من خلال تصنيف ذبحها لنحو 1.5 مليون أرمني خلال الحرب العالمية الأولى على أنها إبادة جماعية، على الرغم من الاعتراف شبه العالمي بهذا الوصف من قبل الأكاديميين والمجتمع الأميركي الأشمل، فضلاً عن الضغط الداخلي الهائل للاعتراف بالإبادة من قبل المجتمع الأميركي-الأرمني المنخرط سياسياً وغيره.
لكن جوهر القضية الآن ليس غضب بايدن من أردوغان، بل بالأحرى غضب الحكومة الأميركية بأكملها تقريباً من الرئيس التركي. فالكثيرون داخل الإدارة الأميركية وخارجها يعدون أردوغان مستبداً ويشكل تهديداً للمصالح الأميركية في المنطقة.
في حين كانت تركيا فيما مضى قدوة للديمقراطية بين الدول ذات الأغلبية المسلمة، فإن الأميركيين شعروا بالنفور جراء قمع أردوغان للانتخابات النزيهة وحرية التعبير واستقلالية القضاء. وبينما كانت تركيا في الماضي ركيزة أمل لمجتمع منفتح ومعاصر ذي أغلبية مسلمة، أدّت نزعة المحافظة الاجتماعية التي يتبناها أردوغان وتكتيكاته القومية-الشعبوية إلى تحوّل البلاد نحو التعصّب والاستقطاب المجتمعي.
وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا في السابق متحالفة بشكل إستراتيجي للغاية مع الغرب بحيث أصبحت الدولة العضو الأقصى شرقاً في حلف “الناتو”، فإنها دخلت في نزاعات دائمة مع المنظمة في عهد أردوغان، حتى إنها خيّبت آمال الحلف في بعض الأحيان. وحيث كانت تركيا من الأصدقاء المقربين لجهات فاعلة مهمة في الشرق الأوسط مثل إسرائيل، فإن إعادة توجّه أردوغان نحو الجماعات الإسلامية السياسية مثل حركة “حماس” دمّرت جسوراً إقليمية مهمة.
بدأتُ بتتبع العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا منذ العام 2002. وفي الماضي، حين كان يُنتخب رئيس أميركي جديد بعد وعده بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، كان يواجه على الفور “سداً” من الإدارات والوكالات الأميركية التي تشرح سبب كَوْن هذه الخطوة خطأ، نظراً للاعتراضات التركية التي ستنشأ.
وتعارض تركيا هذا التصنيف لأنها قلقة بشأن تداعياته العملية -وأهمها، تعريض الحكومة لدعوات إلزامها بدفع تعويضات فضلاً عن رمزيته. فهي لا ترغب في أن يُنظر إليها كدولة منبوذة من جهة، وفي الوقت نفسه تريد أن يتمّ الاعتراف أيضاً بالعدد الكبير من الأتراك والأكراد وغيرهم من المسلمين الذين قُتلوا على يد روسيا المتحالفة مع الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى.
وكانت تركيا قد خصصت مبالغ هائلة لممارسة الضغوط في الكونغرس الأميركي، ونظّمت مؤتمرات أكاديمية ونشرت كتباً حول هذه المسألة لمنع واشنطن من تغيير موقفها.(ومن المثير للاهتمام، أن وصف الإبادة الجماعية الذي كان محظوراً في الماضي ويعكس المجتمع المدني والحيوية الديمقراطية اللذين ما يزالان قويّين في تركيا، يكتسب بعض الزخم أيضاً في تركيا نفسها، وهو ما يغضب أردوغان بشكل كبير).
في الماضي، اعتبرت وزارة الدفاع الأميركية تركيا حليفاً قيّما، ولطالما كانت عنصراً أساسياً في مشاريع الصدّ للحكومة الأميركية، مما جعل الروابط مع أنقرة تطغى على وعود الحملات الانتخابية بشأن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. ولكن ليس بعد الآن. اليوم، لم يعد البنتاغون، الغاضب من أنقرة بسبب مجموعة من القضايا، أبرزها شراء منظومة الدفاع الصاروخية “أس-400” روسية الصنع، مهتماً بمراعاة موقف أنقرة في واشنطن.
فضلاً عن ذلك، كان موقف الكونغرس الأميركي أكثر تشدداً حتى من موقف البنتاغون والرئيس بايدن بشأن تركيا. وقد ضغط الكثير من أعضاء الكونغرس، الذين يمثلون ناخبين من الأرمن، بقوة من أجل الاعتراف بالإبادة الجماعية. كما أن الهيئة التشريعية، التي سبق لها أن فرضت عقوبات تستهدف إقدام أنقرة على شراء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية، ترغب في معاقبة تركيا بصرامة بسبب تجاوزات عديدة أخرى قام بها أردوغان، وهو برأيي خلط بين الرئيس والبلاد.
وحتى في مكتب الشؤون الأوروبية والأوراسية التابع لوزارة الخارجية الأميركية، الذي لطالما تعامل مع أنقرة، فإن الميل إلى تركيا يفقد زخمه بسرعة. ويتمثل الشعور العام في أوساط الحكومة الأميركية بأن أردوغان يستجيب للصرامة المستخدمة مع بوتين بشكل أفضل من استجابته للاحتضان الدافئ.
في الوقت نفسه، لم تعد أمام أردوغان خيارات من شأنها أن تساعد في طمأنة إدارة بايدن. ففي ظل تراجع التأييد الشعبي محلياً، من غير المرجح أن يوافق الريس التركي على تخفيف سيطرته الاستبدادية على المجتمع التركي، خشية أن تنهض المعارضة الحذرة أساساً وتقصيه في الانتخابات.
أما في الخارج، فأردوغان منخرط جداً مع بوتين بحيث يتعذر عليه الابتعاد عنه. وإذا ما أراد أردوغان إعادة منظومة “أس400” إلى روسيا، فقد يفرض بوتين على الفور عقوبات تجارية وسياحية، مستهدفاً اقتصاد تركيا المتعثر ومقلصاً على نحو أكبر قاعدة دعم أردوغان.
ومن الناحية العسكرية، بإمكان بوتين إعطاء الضوء الأخضر لشنّ هجوم من قبل حليفه المقرّب، بشار الأسد، على إدلب، آخر منطقة يسيطر عليها المتمردون في سورية، الأمر الذي قد يتسبب في فرار مئات الآلاف من اللاجئين عبر الحدود إلى تركيا. وتستضيف أنقرة أساساً 3.6 ملايين لاجئ سوري. ووسط التباطؤ الاقتصادي في تركيا وتزايد المشاعر المعادية للاجئين، فحتى أردوغان لن يكون قادراً على الصمود أمام القوى الاجتماعية والسياسية التي تسببها الزيادة الهائلة والمفاجئة في أعداد اللاجئين.
كما يمكن لبوتين أن يُفسد اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة بين حلفائه وتركيا وحلفائه في ليبيا وجنوب القوقاز، مما يقوّض بشكل أكبر مصالح أنقرة، ويتسبب بمشاكل لأردوغان شخصياً -لأنه يتغذى محلياً على صورته كرجل قوي في نظر العالم. ولطالما اعتقدتُ أن أردوغان، وهو يجد نفسه عالقاً بين سندان بايدن ومطرقة بوتين، سيختار نظيره الروسي. وقد تأتي ساعة الاستحقاق هذه عاجلاً وليس آجلاً.
كل ما تقدم يجعل أردوغان في موقف ضعيف يصعّب عليه معارضة الاعتراف بالإبادة الجماعية، مما يندرج أيضاً في إطار سبب اختيار بايدن لهذا التوقيت على وجه التحديد. ويواجه أردوغان اقتصاداً تركياً هشاً. وإذا كانت علاقاته مع واشنطن في حالة تدهور، فقد يؤدي ذلك إلى تدهور الاقتصاد التركي.
والآن، يحتاج أردوغان إلى عكس هذه الديناميكية من خلال الخروج بسردية بأنه على وفاق مع بايدن. وبناء على ذلك، ظل صبوراً على الرغم من أن بايدن تجاهله وغيّر السياسة الأميركية بشأن الإبادة الجماعية بشكل جذري. وقد سبق أن كتبتُ السيرة السياسية لأردوغان، وأعلم أنه يمكنه أن يكون عملياً للغاية، وإنما مكيافيلياً إلى حدّ كبير في الوقت نفسه. وأنا واثق من أنه بغض النظر عن العبارات المخيّبة والمراوغة التي قد يستخدمها في ردّه على اعتراف بايدن، إلّا أنّه سيتطلع إلى فرصة للرد على الرئيس الأميركي -حالما ينتعش الاقتصاد التركي.
*زميل “باير فاميلي” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومدير برنامج الأبحاث التركية فيه، ومؤلف مذكرته الانتقالية للعام 2021 التي صدرت مؤخراً بعنوان “تحديد سياسة واقعية تجاه تركيا في عهد أردوغان: نصائح لإدارة بايدن”. نشرت هذه المقالة في الأصل على موقع “إن بي سي نيوز”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock