أفكار ومواقف

اعتقال النعمة: تغيير في قواعد اللعبة

تتجاوز واقعة اعتقال العقيد أحمد النعمة، على يد جبهة النصرة في محافظة درعا، مربع الخلافات داخل فصائل الثورة المسلحة السورية؛ إذ إنّها مؤشّر على حجم التحولات والتغيرات التي تحدث على أرض الواقع هناك.
أحمد النعمة، كما هو معروف، يمثّل أحد المفاتيح الرئيسة في قنوات الاتصال بين ما يسمى الدول العربية “المعتدلة” من جهة وبين فصائل الثورة السورية من جهة أخرى. وقد لعب دوراً أساسياً في ترجمة أجندة هذه الدول على أرض الواقع، عبر إضعاف وتحجيم أي دور للفصائل الإسلامية في محافظات الجنوب. واستمر يمثّل ميزاناً دقيقاً لتوجهات هذه الدول ومواقفها السياسية الحقيقية خلال السنوات الماضية.
في الوقت نفسه، حرصت هذه الدول، وفق وجهة النظر الرسمية الأردنية، على تحديد نوعية السلاح التي تدخل الأراضي السورية، وإغلاق الحدود بصورة كبيرة أمام محاولات التسلّل، ما جعل الجبهة الجنوبية لسورية هادئة كثيراً، مقارنةً بالجبهة الشمالية (الحدود التركية)؛ وتركيبة الفصائل المسلّحة فيها مختلفة أيضاً، إذ غلب عليها الطابع الوطني والعشائري، والالتزام بمظلة الجيش الحرّ، بينما في محافظات الشمال هيمنت الفصائل الإسلامية، مثل الجبهة الإسلامية، وامتدّ في أغلب المناطق نفوذ كلّ من “داعش” و”النصرة” بصورة ملحوظة.
ولضمان عدم التصادم مع أجندة الدول العربية القريبة والداعمة، حرصت الفصائل في حوران والجنوب على عدم إبراز أي طابع يشي بالتوجّه الإسلامي-الأيديولوجي، حتى إنّ كتيبة مثل “المثنى بن الحارثة”، وهي معروفة بانتمائها إلى الفكر السلفي الجهادي، غضّت الطرف عن أي رسالة تشي بعلاقتها بالقاعدة أو أحد تنظيماتها في سورية، بينما اتسمت علاقة الأردن بالفصائل الأخرى الفاعلة، مثل لواء شهداء اليرموك ولواء الفلوجة، بعدم العداء.
هذا “الاستثناء الجنوبي” المرتبط بسياسة الأردن وحلفائه العرب، خلال السنوات الماضية، يبدو أنّه بدأ بالاهتزاز خلال الأشهر الماضية، منذ أن نفّذت فصائل إسلامية مع جبهة النصرة عمليات على الحدود الأردنية-السورية، وسيطرت على مبان مجاورة تماماً للجانب الأردني. وهو سيناريو غير مرحّب به من قبل السلطات في عمّان.
ثم جاء التطوّر الأخير باعتقال النعمة ليشي بتغيرات في قواعد اللعبة في الجنوب، وبتراجع سطوة ونفوذ الدول العربية “المعتدلة” في هذه المنطقة. ليس ذلك فحسب، بل يؤشّر الشريط المسجّل لأحمد النعمة، بعد اعتقاله، وتحويله لما يسمى بالمحكمة الشرعية، إلى وجود تصعيد ضد الأردن، إذ تضمّن الشريط اعترافات منسوبة للرجل تحدث فيها عن موقف الأردن من الفصائل الإسلامية السورية.
هذه الاعترافات التي انتزعت وهو رهن الاعتقال، قيمتها ليست فيما إذا كانت صحيحة أم خاطئة، بل بأنّها تطرح سؤالاً عن مستقبل الجبهة الجنوبية السورية، وفيما إذا كانت الفصائل الإسلامية قرّرت الوصول إلى الجنوب وإنهاء هذه الحالة الاستثنائية، بخاصة أنّ هناك “تربة خصبة” لها في هذه المناطق. ما يعني أنّ طبيعة التحدّي الأمني ستختلف خلال الفترة القادمة، فيما إذا تكرّست هذه التحولات بدرجة أكبر.
خلال الفترة الماضية (من عمر الثورة المسلحة)، كانت العلاقة على درجة من السلاسة بين السلطات الأردنية والجيش الحرّ،  بالرغم من بعض الأوقات التي تشهد تعكّراً. لكن وجود أطراف أخرى على الجانب الآخر من الحدود، يعني عملياً تقليصاً جديداً وكبيراً لحجم الحضور والنفوذ السعودي-الأردني، والإماراتي، في الأحداث السورية.

تعليق واحد

  1. تحليل رائع
    هذا هو الواقع فعلا ، نتمنى لسورية الخروج من أزمتها ولأردننا الخير ودوام الأمن والسلام .

  2. تسخير الشعوب لخدمة المصالح الدولية.
    ذلك يظهر بكل جلاء ووضوح طبيعة الصراع في المنطقة ، واستمرار التدخلات الخارجية في مصير ومستقبل الشعوب العربية ، من اجل الاستمرار والحفاظ على خدمة المصالح الدولية والإقليمية في المنطقة … وان ما حدث وما زال يحدث هنا وهناك ، ليس من اجل خدمة مصالح ومستقبل الشعوب العربية ، او ما يسمى بالربيع العربي …. بقدر ما هو تسخير وإذلال بشع من خلال استخدام الشعوب العربية كوقود لاستمرار خدمة تلك المصالح.

  3. كل العمل لا يخرج عن نطاق المؤامرة
    لا نعرف على وجه التحديد حتى الآن ما هو المطلوب وما هو الهدف من كل هذه الأعمال الذي قامت ضد سوريا وطبيعة هذه الحركات المختلفة وهل احد باستطاعته ان يقدم كشف حساب من اجل من تعمل ولمصلحة من على الرغم من صرف تلك المليارات الذي أودت بحياة آلاف السوريين ، فاذا كان الهدف ضد ايران والمقاومة فنحن على يقين ان هذا الهدف لن يتحقق إرضاء لإسرائيل والامركان بل ستبقى الحال كما هي عليه فالحرب اربع سنين مستمرة والدمار والخراب والتشرد ما زال والله المستعان

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock