أفكار ومواقف

اغتيال الفلسطينيين.. الفعلُ ورَدُّه..!

يقع الفلسطينيون في المعضلة الأخلاقية –والعملية- المتعلقة بقواعد الاشتباك مع العدو المحتل: هل يجوز لحركة تحرر غير عدوانية في أساسها، باحثة عن العدالة والإنسانية والحق، أن تردّ على القتل العشوائي الذي يمارسه العدو عليها بنفس طريقته؟ مثلاً، عندما يغتال العدو قائداً عسكرياً، لكنه يسقط في الهجوم مجموعة من المدنيين العزل؛ وعندما يطلق جنوده النار –بقصد القتل أو التشويه- على متظاهرين سلميين أو تلاميذ المدارس والنساء والشيوخ، هل يجوز استهدافه بكل مكوناته وأينما كان بنفس الطريقة: بالقصف، والتفجيرات والاغتيالات بلا تمييز؟
يصف العدو الصهيوني نفسه بأنه صاحب الأخلاق –بل ويتحدث عن “عقيدة جيش الدفاع الأخلاقية” باعتبارها مثالاً يحتذى. لكنّه يلعب على حقيقة أثبتتها الأحداث مرة أخرى: الذي ينتصر في المعركة على الأرض سوف يفرض خطابه أيضاً. مثلاً: قتل الفلسطينيين كلهم، بلا استثناء، هو “دفاع عن النفس”؛ وأي عمل يقوم به الفلسطينيون للدفاع عن أرواحهم ووجودهم نفسه، هو “إرهاب”. وقد اشترى الكثيرون في العالَم خطاب المنتصر، بل وحتى الكثيرون في العالَم العربي وبعض الفلسطينيين. ومِن ذلك، شجب رسميين فلسطينيين هجوماً مُرتجلاً ينفذه مراهق فلسطيني بسكين على مستوطنين مسلحين أو حتى على جيش الاحتلال المدجج.
في الحقيقة، لا تعترف الحرب بالأخلاق المطلقة، وتُكيِّف لنفسها “أخلاقيات” تخدُم هدفها العملي. إنها في أصلها فعل غير أخلاقي لأن أداتها الرئيسة هي قتل الآخر وكسر إرادته وإخضاعه. لذلك، يضع الكيان الصهيوني في قلب عقيدته وممارسته هدف كسر إرادة العدو (الفلسطينيين في حالتهم) قيد التطبيق اليومي، ويصبح استهداف الفلسطينيين -مهما كانت صفتهم- بالقتل والإخضاع، فعلاً “أخلاقياً” جداً، يُعتنَق بإيمان كضرورة وجودية.
كنتُ أنوي أن أواصل تأملاتي الخاصة في هذه المعضلة، حين صادفتُ مقالاً لخبير أميركي في شؤون الشرق الأوسط، مايكل دوران، والذي ساعدني حقاً في تسمية الأشياء بأسمائها. ودوران هذا نصير للكيان، يقترح مبررات لا تعجب لسياسات ترامب تجاه الفلسطينيين، لكن الكثير منها مُحق، موضوعياً، لأنها تقرأ الأشياء كما هي.
يكتب دوران أنه بغض النظر عن أي مشاعر، فإن “السياسة الفعلية في الشرق الأوسط تمضي قدماً بلا هوادة، وتتبع نفس قوانين الفيزياء السياسية التي تتبعها السياسة في كل مكان آخر: الأقوياء يفعلون ما يستطيعون أن يفعلوه، والضعفاء يعانون مما يجب أن يعانوه”. وبذلك، ليست الطرق التي يصنع بها الأقوياء قوتهم هي المهمة، وإنما عضوية الطرف الكاسب في “قوانين الفيزياء السياسية”. والفكرة هي أن الفلسطينيين سيعانون ما يجب أن يعانوه لأنهم يفشلون في كسر شيءٍ من إرادة العدو بما ينبغي من الاستهداف، وفي فرض تعريفات منافسه على الخطاب السائد.
يكتُب دوران أيضاً: “أصبحت (إسرائيل) مركز قوة صناعيا حديثا، باقتصاد مزدهر وجيش مخيف مدعوم بالأسلحة النووية – بينما يظل الفلسطينيون تابعين مُعدمين للمجتمع الدولي، مع كون التهديدات بالإرهاب أداتهم التفاوضية الرئيسة”. ما تقوله فكرة “مع كون التهديدات الإرهابية أداتهم التفاوضية الرئيسة” هو أن “التهديدات الإرهابية” في تعريف دوران -ما نعتبره نحن المقاومة التي تلحِق أذى مادياً موجعاً بالعدو- هي “أداة تفاوضية رئيسة”. ويعني فشل الفلسطينيين في تحصيل أي شيء من المفاوضات أن هذه “الأداة التفاوضية” مفلسة وغير مؤثرة. أي أن الفلسطينيين يفشلون، لأن الفعل العسكري، الذي ينبغي أن يوقع خسائر في العدو تضعف إرادته، قاصر بما يكفي لجعل “الضعفاء يعانون ما يعانون”.
يقترح بعض الذين ليسوا أصدقاء للفلسطينيين ولا مشفقين عليهم حقاً –ولو تظاهروا بذلك- أن على الفلسطينيين الاعتراف بـ”الواقع” والكف عن استفزاز العدو باستهدافه بأي نوع من القوة. ومن الواضح أن هؤلاء يقترحون أن يتخلى الفلسطينيون عن أي فرصة لنيل أي شيء، لا وطن، ولا كرامة، ولا حرية، ولا حتى الوجود نفسه. وفي المقابل، تؤكد كل الاقتراحات على أن العدو لا يتنازل عن شيء للفلسطينيين ويواصل اغتيالهم وتضييق حصتهم بلا تردد، لأنه لا يعاني مما يجب أن يعانيه الضعفاء.
يختم دوران بالقول: “ولكن، أعطوا الرئيس (ترامب) حقه. إنه ينظر إلى الشرق الأوسط مثل أي منطقة أخرى، ويحترم القوة”. نعم، يحترم القوة. وفي رؤى دوران، القاسية وإنما الواقعية، إجابة عن المعضلة الفلسطينية، أخلاقية كانت أم عملية. لا بديل عن ضرب العدو بأكثر الطرق إيلاماً وإيقاعاً للخسائر، إذا كانوا ليأملوا بشيء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock