أخبار محلية

اقتصاديات “الجيرة”.. الأردن وسورية مثالاً

أحمد أبو خليل

تختلف التقييمات للأثر الاقتصادي للأزمة السورية على الأردن بحسب زاوية النظر التي يعتمدها مَن يُجري التقييم؛ فالذي ينظر إلى تكلفة اللجوء على الدولة وخاصة لجهة الضغط على البنية التحتية والخدمات، فإنه سيخرج بنتائج سلبية منطقية طبعاً، غير ان هناك من ينظر إلى مفاعيل أخرى للموضوع السوري إجمالا، سواء لجهة الاستثمارات السورية التي انتقلت إلى الأردن، أو لجهة العمالة السورية أو حجم المال الذي دخل تحت عنوان اللجوء، وهنا سوف يرى أثرا إيجابيا.
ويقدر خبراء حصة “الموضوع السوري” ككل في نسبة النمو الاقتصادي الأردني (على تواضعها) بحوالي خمس هذه النسبة، وعليه تُطرح بعض التخوفات في حالة عودة اللاجئين، التي قد ينتج عنها أثرا سلبياً.
السطور التالية سوف تطرح فكرة أخرى، وتقترح (بتواضع طبعاً) مساراً مختلفاً، قد يبدو للوهلة الأولى خيالياً، ولكن من قال إننا لسنا بحاجة للخيال، حتى ونحن نفكر بالاقتصاد والتنمية، بل لأننا نفكر بالاقتصاد والتنمية؟
من الضروري الانتباه إلى أن الاستثمارات السورية في الأردن لا علاقة لها بجهود جذب الاستثمارات التي ينشغل بها المخططون في بلدنا منذ زمن طويل، والتي أقيمت لها الهيئات والمؤسسات وأخيرا أنشأت لها وزارة مختصة، ومن المرجح ان أيا من المستثمرين السورين لم يكن بحاجة إلى من يجذبه، ولم يجد من يجذبه. وهناك العديد من المؤشرات أن أغلب الاستثمارات الناجحة، سوف تواصل العمل في البلد كفروع، حتى لو كانت عودة اللاجئين شاملة أو واسعة.
القاسم المشترك
سورية اليوم (بعد الحرب، وبعد انتصار الدولة) ستكون بانتظار مرحلة إعادة الإعمار، وقد تحول الصراع الدولي منذ الآن إلى مجال التنافس على الحصص في هذه العملية، فالتقديرات تشير إلى أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب يعادل حوالي 400 مليار دولار، وهذه سوف تتحول إلى طيف واسع من الأنشطة الانتاجية تشمل كل التفاصيل.
تسعى الدول والشركات الدولية الكبرى إلى ممارسة كل أشكال الضغط والابتزاز كي تحصل على حصتها، ولكن هذا الصنف من السعي ليس مطروحا ولا متاحاً في الحالة الأردنية.
غير ان لدينا بدائل قوية وذات حضور ولها تجارب سابقة يمكن الاستناد إليها، وفي الوقت نفسه، تكون ذات أثر على النمو وعلى التنمية (نقصد بالتنمية ما يتصل بالجانب الشعبي الاجتماعي عند الجانبين الأردني والسوري).
تتشكل المناطق الحدودية المشتركة بين الأردن وسورية من ثلاث بيئات رئيسية: البادية في الشرق ثم السهول في الوسط (حوران) ثم الغورية والشفاغورية غربا.
ولكل من هذه المناطق تاريخ اقتصادي مشترك (رسمي وأهلي) ظل متواصلا حتى بدء الحرب، وفي بعض الحالات استمر خلال الحرب (حيث شمل نشاط تجار الحروب الطرفين معاً).
البنية التحتية للنمو والتنمية تشمل في حالتنا مع سورية السياسة والثقافة والمجتمع والقيم .
ما الذي يمنع التفكير بنشاط اقتصادي تنموي واسع في مواقع التداخل والتجاور ما بين درعا والسويداء وقراهما من الجانب السوري وبين الرمثا والمفرق وقراهما من الجانب الأردني؟ يقترح الدكتور خالد الوزني (الخبير الاقتصادي الأردني) فكرة تحويل بعض المناطق كثيفة اللجوء إلى مدن صناعية، ولكن ما الذي يمنع من التفكير بالزراعة أيضا أو بالخدمات؟
في الواقع، لقد أحدث السوريون أثرا كبيرا في مجتمعات اللجوء، وهناك اليوم ملامح جديدة للاقتصاديات المحلية في مدن وقرى الشمال احدثها الأشقاء السوريون، ويمكن التفكير بأثر هذه التجربة وآفاقها وامكانات البناء عليها.
لماذا لا ندرس مثلاً تجربة سوق “البحّارة” في الرمثا قبل الحرب على سورية؟ إن تتبعا بسيطا سيكشف عن شبكة علاقات واسعة ارتبطت بنشاط سوق البحارة قبل الأزمة، تمتد إلى مختلف مناطق الممكلة بما فيها أقصى الجنوب.
 ولكي نزيل بعض اللبس الحاصل، يتعين التنبيه إلى “البحارة” ليست تهريباً كما يظن البعض، فهي تجارة رسمية عبر نقاط الحدود تستثمر القوانين والتعليمات المتبعة عند الدولتين، لكنها تعتمد على قدر كبير من الجهد البشري والمرونة، وفي بعض الحالات “الشطارة”.
الأمر ذاته يتكرر في مناطق البادية شرقاً، حيث كانت المنطقة تشهد في الماضي اقتصاديات خاصة قائمة على مجال الثروة الحيوانية، تجارة ورعيا وإكثارا.
الاتجاه “شمالا”
يستطيع المختصون والخبراء تطوير وإغناء وتعديل مثل هذا النوع من الأفكار، والأمر متعلق بتوفر إرادة سياسية عند الطرفين، ولكن من حقنا أن نسأل في الأردن عن المبادرات الممكنة في هذا الخصوص، لا سيما وأن الدولة الأردينة تطرح بكثافة مسألة تنويع الخيارات الاقتصادية وتوسيعها وتبذل الجهود في سبيل ذلك.
اسمحوا لي بطرح الفكرة التالية، راجيا التركيز على ما تشتمله من إيجابية:
لبلدنا أربعة حدود، اثنان منها يتميزان بكثافة سكانية عالية على الجانبين، هما الحدان الغربي والشمالي، فيما تتدنى الكثافة السكانية في الحدين الشرقي والغربي مع الأشقاء في العراق والسعودية.
إن موضوع الكثافة السكانية سوف يحدد نوع النشاط المشترك في المناطق الحدودية، ولهذا من الطبيعي ان يكون التفكير مناطق الحدود مع العراق والسعودية يقتصر على التجارة الحدودية، بينما في الشمال والغرب فإن العنصر البشري حاضر، لكن هناك اختلاف جوهري في البيئة المحيطة، بين دولة احتلال وبين جار شقيق.
منذ توقيع اتفاقية وادي عربة، بدأت موجات من الأفكار حول مشاريع على الحدود الغربية (سواء مع دولة الاحتلال أو مناطق السلطة الفلسطينية).
وعقدت المؤتمرات الدولية وأجريت الدراسات واستقدم الخبراء لهذه الغايات وأنفق مال كثير، ولكن السياسة ظلت حاضرة بقوة، فالعدو لا يزال عدوا “ممارساً”، وكل المشاريع والأفكار ما تزال غير مرحب بها وغير مقبولة شعبياً، إلى درجة أن أصحابها يخجلون منها ويعمدون إلى التكتم أو التمويه لإنفاذها.
بالمقابل، في حدودنا الشمالية مع الأشقاء السوريين، لدينا سيرة طويلة عبر التاريخ، ولدينا ثقافة مشتركة متقاربة، وسوف يجري أي نشاط في بيئة مرحبة راغبة.
ولبلدينا تاريخ قريب بهذا الخصوص، وهو شاهد على امكانية تجاوز الأزمات السياسية بين البلدين، وبترحيب شعبي من الطرفين.
لقد بلغت الأزمة السياسية (والاقتصادية) ذروتها في مطلع سبعينات القرن الماضي، وأغلقت الحدود في أجواء متوترة، ولكن في العام 1975 وجد البلدان نفسيهما في علاقة ممتازة وصلت إلى فتح الحدود والتنقل بالبطاقة الشخصية، وتوحيد مناهج الدراسة في الصفوف الأولى في المدارس، وكانت الإدارة المحلية في محافظتي اربد ودرعا تجري التنسيق اللامركزي في كثير من القضايا.
القطاع الخاص لا يكفي
قد يقال، إن القطاع الخاص المحلي والدولي ينشط ويعد نفسه لكي تكون له حصة في عمليات إعادة الإعمار، وأن الأردن حكماً سيكون إحدى ساحات تنسيق النشاط.
هذا صحيح، ولكن حتى لو بلغ مداه الأعلى، فإن نتائجه ستبقى في إطار النمو الاقتصادي وليس “التنمية الاقتصادية” (مرة أخرى نطرح سؤال مدى اتساع دائرة المستفيدين أي قضية التوزيع).
باختصار، لا يجوز، عند التعاطي مع اقتصاديات إعادة الإعمار، أن يقتصر الجهد الرسمي على العناية بشؤون الاستثمار بالحجوم الكبيرة، سواء كانت محلية أو دولية، لأنها ستكون ذات أثر تنموي محدود، أي خالية من العوائد التوزيعية الواسعة، إن القفزة في الرقم الكلي (أي النمو العام) مهمة ولكنها غير كافية.
من المؤكد أن الأردنيين يحبون أن يروا سورية عامرة و”عمرانة” من جديد، وهناك فرصة لأن يكون لنا دور محترم ومفيد لنا ولهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock