أفكار ومواقف

اقتصاد الطعام والشراب

حوادث فساد الغذاء تقع لا محالة، وهي محتملة في كل مكان وزمان. لكن حادثة التسمم الغذائي في أحد فنادق البحر الميت، قبل أيام، هزت الرأي العام في الأردن؛ بسبب نتيجتها المأساوية، وحصولها في أحد الفنادق الموثوقة من فئة 5 نجوم.
وهذه الواقعة سبقتها حوادث تخص أماكن ذات سمعة ومكانة مرموقة، منها مطاعم تمثل استثمارات سياحية كبيرة؛ حيث تم العثور على لحوم أو مواد أخرى منتهية الصلاحية أو غير صالحة للاستهلاك البشري، ما أثار فزع الناس وغضبهم. فإن كانت حتى هذه أماكن غير مأمونة لجهة سلامة الطعام ونظافته، فماذا عن بقية الأماكن من مستويات أدنى؟!
المحصلة هي ضربة قاسية لقطاع اقتصادي رئيس. وأنا أقلق من النفخ الإعلامي في هذا النوع من الأخبار، وأتمنى لو أن وسائل الإعلام، وخصوصا الإلكترونية، تتعامل معها بكثير من التحفظ؛ انطلاقا من المسؤولية الوطنية، وحتى مصلحة المؤسسات المعنية التي تمثل استثمارا كبيرا لا يجوز تدميره من أجل إثارة صحفية. ولنأخذ خبر الفندق نفسه؛ فقد تبين لاحقا، حسب الفحوصات المخبرية لمواد من مطاعم الفندق، أنها كانت سليمة، ولم تكن هناك بكتيريا ممرضة أو فوق الحد الطبيعي. ما قد يعني أن الحادثة معزولة. وقد يكون سبب التسمم بقاء الطعام وقتا طويلا لدى العائلة، أو أسباب أخرى ينبغي كشفها. لكن في الأثناء، فإن سمعة المكان تضررت بصورة خطيرة.
ومع أن الناس تتشفى بالإعلان الصريح عن الأسماء، إلا أنني أعارض بشكل عام الإعلان عن أسماء المحال والمطاعم والمصانع ما دام أن القرار لم يكن السحب النهائي للرخصة. وهذا ليس من باب التساهل تجاه المذنبين؛ لكن يجب مراعاة المصلحة العامة للاقتصاد، وأيضا عدم إلحاق ضرر نهائي بالمؤسسة المعنية، في الوقت نفسه الذي يجب أن تطبق فيه العقوبة القوية لتحقيق الردع.
العيش في المجتمعات “المتروبولية” يقوم على الثقة والمسؤولية وحكم القانون، وإلا استحالت الحياة. ونحن نغادر حتى في البلدات المجتمع التقليدي، حيث تقوم الثقة على صلات المعرفة المباشرة، والجيرة والعلاقات العائلية. في المدينة، فإن كل ما تحتاجه يعتمد على آخرين لا تعرفهم، أو ترتبط بهم فقط في الميدان المحدد لأداء الخدمات وتبادلها. ولا يمكن للحياة أن تكون مقبولة ومريحة من دون ثقافة مكرسة تعلي شأن الاستقامة والمسؤولية المهنية والحضور الدائم للردع القانوني. إذ لا يمكن للمرء أن يعيش مع هاجس أن الغش و”البلف” هما القاعدة في كل ما تحصل عليه من سلع وخدمات. وفي مجال الطعام، فإنه إذا تمكن الشك منا في كل ما يقدم في المطاعم، أو في المواد الجاهزة والمصنعة، أو الخضار وما تتلوث به، فإن المرء سيصل إلى نتيجة أن لا مصدر آمنا غير ما يزرعه في بيته ويصنعه بيديه. وهو ما لم يعد يفعله أحد حتى في القرى والبلدات.
ربما يكون الوقت قد حان لآلية شاملة مختلفة لإدارة هذا الملف. مؤسسة الغذاء والدواء هي جهة مركزية حكومية مسؤولة عن فحص وإجازة المنتجات ومراقبتها على الحدود، ومن مصادر الإنتاج. لكن يكفي أن تكون مرجعية علمية ومعيارية لأجهزة التفتيش على المحال والمطاعم التي تتبع البلديات. أمانة عمان، وكل بلدية، يجب أن تسهر على وجود جهاز تفتيش نزيه وكفء ومحترف، وكبير بما يكفي لتغطية دورية حثيثة على كل مكان يقدم خدمات الطعام والشراب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عقوبة التعزير
    إن المطالبة الشعبية الحثيثة بالكشف عن مرتكبي حوادث الإهمال في عدم جودة المواد الغذائية في المطاعم والفنادق يجب ان يتم بعد التأكد من صحة هذه الأخبار واصدار العقوبات القانونية بحقهم …..ومن حق الناس ان يطالبوا بعد ذلك بالكشف عن اسماء اصحاب هذه المطاعم في تعمد الحاق عقوبة اخرى بهم هي عقوبة( التعزير ) ليس بقصد الحقد عليهم ولكن بقصد جعلهم عبرة يعتبر بها غيرهم ، وإلا كيف يمكننا ان نفرز الصالح عن الطالح ، ونختار الأفضل ؟ ومن يصنع الخطيئة يستحق العقاب . والعقوبة المعنوية اشد واقوى من الغرامات المالية التي يدفعها الجناة ويعودون الى عاداتهم السابقة .
    عندما يتم فضحهم وتعزيرهم امام الشعب والمستهلكين نكون قد تخلصنا من مصادر ضررنا وذلك بإجتثات السبب والمسببين وعدم العودة للتعامل معهم، وبتكرار عملية التعزير يتم التصحيح والتجويد ،ولا يجب ان نبالي او نخشى من عقابيل هذا الفعل ، وقليل صالح مفيد خير من كثير فاسد ضار

  2. توظيف تعبير المصلحة العامة الفضفاض للتستر
    المقال استفزني! ولذلك أخالفك بشدة أستاذ جميل، فالأصل أن يتم الاعلان عن الحادث ومكان الحادث حينما يتعلق الأمر بالأمن الغذائي للمواطن والحفاظ على حقه في الحياة، ثم يجرى تحقيق شفاف وتعلن نتائجه وعلى أساسه يقرر المتضرر رفع قضية ضد المؤسسة الاقتصادية/الخدماتية المسؤولة عن الضرر كما يقرر على أساسها المواطن الحذر من خدمة تلك المؤسسة، أو تأتي النتائج لمصلحة المؤسسة وتوظف ذلك لإعادة الاعتبار لسمعتها الخدماتية. هذا ما يحدث في الدول الديمقراطية والمتحضرة.
    التستر يزيد الشبهة ويؤكد حدوث الخطأ ويعزز انطباع التواطؤ الرسمي. المدهش أن صحيفة الغد المحترمة والمتميزة، على سبيل المثال، لا تذكر حتى أسماء المؤسسات الاقتصادية التي تبثت المخالفة عليها مثل مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك البشري. والمدهش أكثر أن الإعلام يدرك تماماً أن كل البلد عارفة أسماء تلك المؤسسات وتفاصيل المخالفة. التواصل الاجتماعي تجاوز الاعلام الكلاسيكي من زمان.
    عندما لا تراعي مؤسسة اقتصادية خدماتية القانون والضمير في الخدمة التي تقدمها فهذا لا يعني توقف المواطن عن طلب الخدمة في مكان آخر، نشتري الحلويات من مكان آخر ونرسل أولادنا إلى مدرسة أخرى ونسبح في أوتيل آخر ونعزم أصدقائنا وضيوفنا على مطعم آخر وتستمر الحياة ويخرج من حياتنا من لا ضمير له. وما المشكلة في أن تستبدل المؤسسة الاقتصادية التي يثبت عليها المخالفة مديرها (أو أكثر من مدير) وتعلن عن اجراءات لضمان صحة المنتج النهائي وتقدم اعتذار؟

  3. مراقبة نظافة العمل في المطاعم
    تعليقا على مقال الكاتب جميل النمري حول " أقتصاد الطعام والشراب" أرجو أن أبين التالي: أولا، الحديث عن حالات التسمم الغذائي والنقاش حولها في صحفننا المحلية ظاهرة سليمة، ويؤكد أننا نرغب بمنعها ويزيد ثقة المواطنيين والزائرين بأن قضايا الصحة والسلامة تناقش بشفافية ودون التغطية عليها. ثانيا، أن أحد أهم أسباب التسمم الغذائي بالميكروبات ينتج غالبا أثناء تحضير الطعام وعدم تقيد العاملين بشروط نظافة الأيادي والأدوات في المطاعم. وكما نعرف معظم مطاعمنا السياحية والشعبية تشغل نسبة كبيرة من العمال الوافدين، ومعظمهم لا يملكون الخبرة أو المعرفة الكافية بشروط المحافظة على نظافة عملية تحضير وجبات الطعام ومكان العمل. ومن هنا يأتي دور الدوائر الصحية بمراقبة دقيقة لنظافة المطابخ والعاملين فيه. ويفترض أن يتم عقد دورات تدريبة للعاملين في المطاعم وأعطائهم شهادة مزاولة المهنة بعد إجراء فحص حقيقي ميداني أثناء عملهم. وهذا بدورة يتطلب توفير كوادر مراقبين صحيين حاصلين على شهادة من كلية أو جامعة يعملون بأشرف أطباء الصحة العامة.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock