أفكار ومواقف

الآباء وخدمات التوصيل في مدن معادية للأطفال

تحتاج الأسر على نحو يومي إلى توصيل أبنائها إلى المدارس وإعادتهم إلى البيت، وتوصيلهم في الأماسي والعطل لزيارة أصدقائهم وذويهم والمشاركة في أنشطة وبرامج تعليمية أو رياضية أو تطوعية أو اجتماعية، .. تشكل هذه العمليات التزامات يومية للأسر في عمان والمدن والبلدات، تكاد تحول الآباء والأمهات إلى إدارة نقل يومية تهدر أوقاتهم ومواردهم وأعصابهم، وتجعلهم في حالة تفرغ كامل لأجل توصيل أبنائهم، وإذا كان الأبناء في مرحلة الثانوية أو الجامعة فهم في حاجة لاستخدام خدمات التاكسي المكلفة جدا، وتفوق احتمال الأسر متوسطة الحال، نتحدث عن مليوني عملية نقل وتوصيل يومية على الأقل، لا تقل كلفتها(الزمن والطاقة والنقل) عن عشرة ملايين دينار، أي أننا نهدر ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دينار سنويا لأجل عمل عبثي غير معقول يمكن الاستغناء عنه.
ليس واردا في تخطيط مدننا وأحيائنا أن يكون في مقدور الأطفال والناس جميعا التحرك مشيا على الأقدام أو في شبكة مواصلات ونقل عام، وليس في مقدور الأطفال أن يتحركوا وحدهم ليذهبوا الى المدارس ويعودوا إلى البيوت أو ليلتقوا في البيوت أو الحدائق أو أمكنة في سهولة وأمان ودون إرهاق للأسر، برغم أن ذلك هو الأصل، فالمدن في منشئها وتطورها وتخطيطها في التاريخ والجغرافيا تكاد تكون ببساطة هي الأطفال القادرون من غير مساعدة أحد على الذهاب مشيا على الأقدام إلى مدارسهم والعودة الى بيوتهم، وأن يكون في مقدور الناس في محيط الحي الذي يعيش فيه المواطنون في المدينة، أي في دائرة نصف قطرها خمسمائة متر، أو خمسة آلاف مقيم فأكثر؛ أن يصلوا مشيا على الأقدام إلى المؤسسات والمرافق الأساسية، والتي يجب أن تكون متوافرة، مدرسة الحي، مركز البريد، سوق، مكتبة عامة، حديقة عامة، ناد رياضي ثقافي اجتماعي، فضاءات عامة واجتماعية وترفيهية،..
ومن البداهة في تخطيط المدن وتصورها أن تتضمن شوارعها ممرات وأرصفة آمنة وواسعة للمشاة وسائقي الدراجات، بل إن كثيرا من المدن تشق ممرات طويلة ومتصلة للدراجات الهوائية ليكون في مقدور جميع الناس الانتقال إلى جميع الأمكنة حتى البعيدة التي يحتاجون إلى الوصول إليها باستخدام آمن للدراجات، ليكون في مقدور الشباب بخاصة إضافة إلى جميع الفئات السكانية من التحرك بسرعة وسهولة، دون حاجة لاستخدام السيارات، وفي ذلك تخفيض مهم للنفقات ولاستخدام السيارات والطاقة والغازات المنبعثة الملوثة للبيئة، والزحام وحوادث المرور، ولا يعود الآباء في حاجة لتمضية ساعات طويلة إضافة إلى عملهم لأجل نقل وتوصيل أبنائهم، وايضا يكون ثمة مجال واسع وممكن للأطفال والشباب للتعرف على مدنهم والانتماء إليها والمشاركة مع رفاقهم في أعمال وأنشطة جماعية في الرياضة والتعليم والفنون والتطوع والترفيه من غير تكلفة مالية ولا إرهاق إداري ولوجستي على المدينة والمجتمعات والأسر.
وتبعا لذلك سوف تكون الانتخابات العامة البلدية والنيابية أو المحلية للجمعيات والأندية مستمدة من مشاركة وتجارب واسعة ويومية للمواطنين؛ لأنهم يكونون على صلة عملية بقضاياهم واحتياجاتهم وأولوياتهم، وفي المقابل فإن عمليات التوصيل اللاعقلانية التي تجري في عمان والمدن والبلدات لا تقف متوالية آثارها وشرورها عند الهدر والتلوث والتكاليف المرهقة ماليا وجسديا ونفسيا وعقليا؛ بل تتجاوز إلى ضعف علاقة الاطفال والشباب بأحيائهم السكنية ومدنهم وبلداتهم، وضعف أو غياب الصداقات وجماعات الطفولة والشباب التي يمكن أن تتشكل بعفوية وتلقائية لأجل الرياضة والفنون والثقافة والتطوع، وضعف القدرة على اختيار القادة الاجتماعيين والممثلين في الانتخابات التي تجري، .. والكثير من العزلة والقلق والشعور بالاغتراب، وفقدان المعنى والجدوى، وعلى عكس ما يظن كثير من الآباء والمخططين فإن جماعات السوء والتطرف تتشكل في بيئة العزلة والانكفاء وغياب البيئة الاجتماعية والثقافية المفتوحة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock