أفكار ومواقف

الآخرون مهمون، ولكن..!

ثمة سمة ثقافية وطريقة حياة على ما يبدو في المجتمعات العربية، هي إفراط النظر في الآخرين مع إهمال العناية بتأمل الذات. وعلى سبيل المثال، يحث أحدنا أبناءه على النجاح بـ”معايرتهم” بأقران من المعارف الناجحين، دون تفقد عوامل النجاح والفشل في بيته، أو يكيل كل أنواع النقد لسلوكيات الآخرين، بينما يمارس هو أسوأ منها. وفي الغالب، لا تنفع هذه الطريقة في حفز الأبناء، لأن المقارنة تُظهر عيوبهم وتحط من قدر جوانب تميزهم الخاصة –بحيث يظهر لديهم شعور بالصَّغار. أما كشَّاف نواقص الآخرين أو المبتلى بحسدهم، فينشغل عن تصحيح الخلل في نفسه، ويتقدم الآخرون وهو يتحسر فقط.
كثرة الأقوال عن هذه الظاهرة في تراثنا تؤكد وفرتها البالغة، ومن ذلك -على سبيل المثال فقط: “لو نظرَ الناسُ إلى عيبِهم/ ما عابَ إنسانٌ على الناسِ”؛ “أرى كلَّ إنسان يرى عيبَ غيرِه/ ويَعمى عن العيبِ الذي هوَ فيهِ”؛ “يبصِر أحدُكم القذى في عَين أخيه، ويَنسى الجِذْعَ في عينه”؛ “كنا نُحدَّثُ أن أكثرَ الناس خطايا أفرغُهم لذكر خطايا الناس”؛ “لا أحسبُ الرجلَ ينظرُ في عيوب الناس إلا من غَفلة غفِلها عن نفسه”، وغير ذلك الكثير!
لا دعوة بالطبع إلى عزل المرء نفسه عن محيطه وإغماض عينه عما سواه. لكن تركيز النظر في الفضاء العالي سيوقع المرء في حفر تحت قدميه، وسيشغله التدقيق في نظافة غيره عن عفن يتكاثف حوله وهو غافل. وقد يكون الأحرى أن يبدأ المرء من نفسه إلى كل شيء، ويعود إليها دورياً ليتفقدها. والأولى ترتيب البيت الداخلي والعناية بتهذيبه، في عملية ينبغي أن تكون مستمرة وصعبة إلى حد أنها لن تترك الكثير من المتسع لنبش بيوت الآخرين. بل لعل انشغال كلٍّ بتنظيم بيته هو الوصفة لمجتمع كامل مهذب وأخلاقي وناجح معاً.
هذا الطبع الفردي يعكس نفسه في حركة مجتمعنا الكبير وأوضاعه وسلوك ساسته وواعظيه. فبدلاً من “الغيرة” الصحية من الآخر واستعارة سبل نجاحه ومنافسته بشرف، يتسبب استمرار النظر المعجب أو الحاقد إليه في صَغار الذات وتصغير الأكتاف. وفي النهاية، يصبح كل خطأ أو فشل عندنا سببه الآخرون وما لنا فيه ذنب. وفي آخر تجليات هذا الطبع، يتردد أنه لم يكن استبداد أنظمتنا وفكرنا الجامد والتفريط بعزتنا الشخصية والقومية هي أسباب مصيبتنا، وإنما تسبب بها الغرب المتطفل، أو ربما إيران وبرنامجها النووي وطموحها الإقليمي.
يمكن! ولكن الآخرين سيعتلون جدار منزلك إذا كان واطئاً ومتهدماً فقط. وسيملي الآخرون عليك مشيئتهم إذا أعدمت أسباب عمل مشيئتك. سوف تظل تابعاً لمن يطعمك أو يحميك؛ وسوف تصبح مكشوفاً إذا سعى الآخرون إلى قوة أنفسهم وأضعفت أنت نفسك، ونفّرت منك مَن حولك وكان ينبغي أن يكونوا عضدك. ولعل من المضحك المبكي غضب الغاضبين من العرب لأن أميركا اتفقت مع إيران ورفعت عنهم الحماية. وكان الأولى أن لا يحتاج قادة العرب إلى حماية أحد، لو أنهم نظروا إلى أنفسهم ومواطنيهم وأوطانهم أولاً، واستثمروا في ذلك بإخلاص وإيجابية بدءاً من إقصاء محكوميهم وقتل حيويتهم بكثرة الاستغلال والإذلال والتمييز.
ما علينا من إيران وأي أحد يريد أن يتطور أو يتنفّذ، لو كنا نفعل ما علينا لنتطور ونمتلك أسباب القوة والنفوذ! وما كان العرب سيخافون من أحد لو كان جدارهم عالياً وبيتهم نظيفاً ونابضاً بالحياة والسلام والتشارك. ولذلك، لن يكون الهجوم الخطابي وتعليق كل شيء على مشاجب الآخرين –إيران أو الغرب أو روسيا وكل من يحاول أن يكون السيد في العالم المتنافِس- حلاً لما نحن فيه. والأحقّ في هذه المرحلة أن يُعاد إلى أصل الحكاية، نوعية الفرد، فالأسرة، فالمدرسة، والفكر الاجتماعي، والأيديولوجيا السائدة والدولة وكل مستويات الإدارة والنهج في بلداننا.
الدكتاتوريون الآن هم الذين يزعمون صناعة الديمقراطية بالدم في العالم العربي، دون أن يدققوا في أنفسهم وعيوبهم. وأصحاب القرار والمستحوذون على الموارد هم الذين أفقروا مواطنيهم وجعلوا إقطاعياتهم مطمعاً للآخرين، ودفعوا الأفراد اليائسين إلى التطرف أو طلب الحماية من الخارجيين. وهذا هو ما يحتاج إلى التأمل والتصحيح –البيت الداخلي. الآخرون مهمون. ولكن: أين أنت؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock