;
آخر الأخبار حياتناحياتنا

الأبناء ما بين تدخلات الآباء والاستقلالية في اتخاذ القرار

معاذ الجواودة

عمان– هل حياةُ الأفراد معلقة برغبات الآخرين؟ وهل مستقبل الأبناء يجب أن يتعلق بإجبار آبائهم على دراسة تخصصٍ معين أو العمل في وظيفة محددة؟ أم أن حياة الأفراد والأبناء هي ملكٌ لهم لا يحق لأحد التصرف فيها.

يُصدمُ كثيرٌ من الأبناء بمواقف آبائهم عند سؤالهم لأخذ المشورة لدراسة تخصص بعينه، تلك المواقف التي تظهر فيها نبرة الإجبار على دراسة تخصص لم يكن يخطر في بال الابن أنه سيجبر على دراسته كما حصل مع زاهر، والذي يقول: “عندما سألتُ والدي عن رأيه في دراسة الإرشاد المدرسي قابلني بالرفض وصمم أن أدرس اللغة الفرنسية”.

شعر بالصدمة عندما أجبرهُ والده على دراسة هذا التخصص، ورفضه القاطع أن يختار ولده دراسة الإرشاد المدرسي، ومن تلك اللحظة انتابَ زاهر الخوف عند التفكير في أخذ رأيه أو نصحه في أي أمر يهمه أو يخصه. وعاش صراعاً داخلياً مريراً كلما فكر في تحويل تخصصه خفيةً، لكنه رضخ للواقع وأكمل دراسته بغير رضا.

ويقول سمير الذي تخرج بعد دراسة المحاسبة: “درستُ تخصص المحاسبة وكنت أرغب العمل في إحدى الشركات الكبرى وحين عَلِمَ والدي تقدمي بطلب من أجل الوظيفة أجبرني على سحب الطلب حيث كان يريد منهُ والده العمل في قطاع البنوك والمصارف، لم يكن سمير يرغب بالعمل في هذا القطاع إلا أن إجبار والده له جعله يعمل في ذلك القطاع دون رغبة وحب شديد للعمل.

هل يظن أولياء الأمور أنهم رسموا الطريق الصحيح لأبنائهم حين أجبروهم على اتخاذ قرار بعيدٍ عن ميولهم ورغبتهم؟ ربما لا يدركون أن الإجبار يقتل الإبداع وحب العطاء داخلهم.

ولا يقتصرُ إجبار الأبناء على اتخاذ قرار يتماشى ورغبة الآباء على الدراسة وحسب تقول هند: “تقدمَ شاب لطلب يدي من والدي وكانت الصدمة عندما أخبرني بالموافقة على تزويجي من الشاب دون أخذ رأيي. كان أثر الصدمة كبيراً حين رفضت وقد بذلت جهداً كبيراً وعدة محاولات لايقاف الزواج، لكن والدها كلما شعر أنها تحاول التعبير عن رفضها زاد تهديده ووعيده إلى أن فقدت الأمل ورضيت بأمرها الواقع لا محالة.

ويروي حاتم هو الآخر قصته حيث يقول: “معاناتي مع والدي لا تكاد تنتهي” فوالده يخضعه للرقابة الشديدة في علاقاته مع الأصدقاء.

يضيف حاتم: “كل صديق أتعرف عليه ويراه والدي ينهال علي بالأسئلة. يريد معرفة الشخص وكثيراً ما يوبخه ويقول له: “ما زلت صغيراً على تحديد الأفضل لك”. حتى وصل إلى مرحلة لم يعد بعدها قادراً على الثقة بقراره في مصاحبة مَن والابتعاد عن مَن. كم هو صعب الشعور بالغربة في المجتمع، وخصوصاً المحيطين بنا وتحديداً مَن هم من أعمارنا الذين ربما يشاركوننا أفكارنا وآمالنا.

يبين النفسي موسى مطارنة أن الإجبار بالقرارات ينعكس على نفسية الأبناء سلباً، فعدم تركهم تحديد اختيارهم وسماعهم يؤثر عليهم ويخلق فجوة بين الابن والأب من ناحية، وبين الشخص والمجتمع من ناحية أخرى.

ويؤكد مطارنة أن الحافزية والدافعية لن تكون موجودة في حالات الإجبار، ولن يكون هناك إشباع حاجاته النفسية لأن الإشباع يوفر السعادة والاستقرار والطمأنينة، وقد يؤدي الإجبار إلى ظهور حالة متمثلةً في الغربة النفسية في المجتمع، مما ينتج عنها فشل في حياته الدراسية والعملية وقتل المواهب والإبداع.

ويوضح، أن الأبناء يميلون إلى الاستقلال ومحاولة اتخاذ قرارات في مراحل معينة من العمر مثل: “الدراسة، والعمل، والزواج”، وأن أساليب التربية الصحيحة والتي هي أهم دور للأسرة يؤدي إلى اعتماد الأبناء على اتخاذ القرار الصحيح.

ويؤكد مطارنة أن دور الأسرة هو مساندة الأبناء في حال اتخاذ قرار، وخلق مساحة من الحرية وأن تكون المساندة في كل المستويات النفسية والمادية وتوفير الجو المناسب.

ويقول الأخصائي الاجتماعي مفيد سرحان؛ إجبار الأبناء على اتخاذ قرارات لا يساهم في التربية السليمة للأبناء وبناء شخصيتهم ليكونوا أفرادا فاعلين في المجتمع. ومن الحكمة أن يتعلم الأبناء اتخاذ القرارات فيما يخصهم بالتدرج وبوجود وإشراف الآباء ليصلوا إلى مرحلة القدرة الكاملة على اتخاذ القرارات.

ويوضح سرحان أن على جميع الأبناء إدراك أهمية المشورة، فهي من العوامل التي تساهم في اتخاذ القرارات المناسبة، وتوسيع دائرة المشورة وسماع آراء الآخرين وفي مقدمتهم الوالدان وأهل الخبرة والتجربة والاختصاص قبل اتخاذ القرار، فكلا الوالدين يحب أن يكونا قدوة حسنة للأبناء عند اتخاذ القرار.

ويتابع سرحان؛ “عندما يكون القرار على مستوى الأسرة المكونة من عدة أفراد، فإن المشورة والمشاركة في اتخاذ القرار تجعل الفرد أكثر نضجاً، وتُشعِرُ أفراد الأسرة بالطمأنينة والارتياح والاحترام، ليكونوا أكثر حرصاً على إنجاح ما يتم الاتفاق عليه، فهم شركاء في تحمل المسؤولية إضافة إلى أنه يترك أثراً طيباً في نفوسهم، فهم ليسوا مجرد منفذين لأوامر ربما لا يدركون هدفها أو أنهم غير مقتنعين بجدواها، حتى وإن كانت قرارات سليمة”.

ووفق سرحان، فإن الحوار والنقاش وتبادل الآراء يمكن الجميع من الاطلاع على جميع جوانب الموضوع أو المشكلة، وأهمية دور الآباء بحثّ الأبناء على تحمل المسؤولية وتعويد الأبناء على اتخاذ قرارات منذ الصغر وخصوصا في الأمور التي ليس لها تأثير على الآخرين، كاختيار اللباس مثلا أو اختيار الألعاب. وهذه الوسائل تعمق عند الطفل الشعور بالمسؤولية والثقة بالنفس، فالمجتمع بحاجة إلى تربية الجيل على تحمل المسؤولية وأن تكون لديه القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة والصحيحة دون تسرع أو تردد.

اقرأ أيضاً: 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock