آخر الأخبار حياتناحياتنا

الأجداد.. بيت الحكمة ورصيد لا ينضب من الثقافة والخبرة

عزيزة علي

عمان– لم يجد يزن كلمات يعبر فيها عن فرحته عندما علم أن شقيقه الذي تزوج قبل عشرة أعوم أصبح لديه طفل؛ سوى أن يغرف من مخزون ذكرياته مع جدته التي كانت تقول عندما يرزق أحدهم بطفل “الله يخلي لكل عين رجاها”.
يبقى الأجداد بالنسبة إلى الأحفاد “ذلك الكنز الذي لا ينضب من الحكايات والقصص التي تثري حياتهم في المستقبل”. يستمعون لهم بكل حواسهم وهم يتعرفون على زمن مضى كانوا شاهدين عليه، ليحملوا ذلك الدفء منهم وينتقل لأبنائهم بالمستقبل عند سردهم للحكايات العالقة في الذاكرة.
الأجداد يقدمون بدورهم خلاصة تجاربهم في الحياة لهؤلاء الأحفاد، لتسهم في فتح آفاق كبيرة أمامهم، فهم أصحاب تجارب، ويحمل الأحفاد هذه الحكايات بكل حب، ويحفظونها ويطبقونها في حياتهم اليومية وبكثير من المواقف التي يتعرضون لها في الحياة.
“تعلمت من جدتي السرد قبل أن أعرف أبجديات اللغة”.. هكذا قالت الأكاديمية والروائية والقاصة د. لمى سخنيني. وتتذكر جدتها قائلة: “حين كنّا أطفالًا، كنّا نختبئ تحت لحافها الدافئ، وهي تحكي لنا حكايات الأجداد المنثورين في بقاع الأرض؛ تبدأ الحكاية بالعربية، ثم تعيد حكايتها بلغتها الأصلية، البرتغالية”.
وتضيف سخنيني: “جدتي كانت معلمة، مثقفة، بارعة في كل شيء، وجاءت إلى فلسطين محمّلة بأساطير إيطاليا والشعوب الأصلية في البرازيل، فتوسعت ثقافتها، مبينة أنها مكتبة مذهلة من القصص والحكايات، وكانت مناضلة، إذ لم تترك بيتها في طبريا، إلا بعد أن ودّعت بارودتها المدفونة تحت عتبة دارها واعدة إياها بلقاء قريب”.
ومن الحكايات التي كانت ترويها الجدة، كما تبيّن سخنيني، “حكايات الأزهار الزرقاء المحروسة بالجن في حضن الغابات، والساحرات المرابطات على أطراف الغابة، والأكواخ المبنيّة من حجارة الكعكبان وخبز الزنجبيل، وأطفال الغابة التائهين عن بيوتهم، وكذلك قصة ليلى والذئب التي كانت تنتهي بقبلة”. هذه القصص فتحت باب الخيال أمامها، فكانت تعيد سرد الحكاية في الصباح لبنات الجيران، مع إضافة مفردات وأحداث خيالية مختلقة من نسج خيالها.
وعن شغف الصوفية، تقول سخنيني: “ارتبطت جدتي بطريقة الصوفيين”، فكانت تدخل في ساعات من التأمل العميق، تغمض عينيها وتخشع. تتابع: “تعلمت منها الصلاة والدعاء، فكانت تقول “الله يسمع لك حتى من غير كلمات”.
وفي سياق آخر؛ يقول أستاذ علم النفس في الجامعة الهاشمية، الدكتور جلال ضمرة إن “الأجداد هم بيت الحكمة”، ولكن الاقتراب منهم ينطوي على جانبين؛ أحدهما إيجابي، إذ “يستفيد الأطفال من تجارب أشخاص تربطهم بهم علاقة وثيقة ودافئة وصادقة. الجد أو الجدة، فهم يحرصون على تقديم هذه الخبرات والمعارف للأحفاد، فيكون لها وقع إيجابي عليهم”.
أما الجانب الآخر، كما يوضح ضمرة، ينطوي على “الدلال الزائد الذي يغدقونه، إذ يمكن أن يفسد أو يضر بالطفل. لذلك ينبغي على الجد أو الجدة الابتعاد عن تربية الأطفال بدلًا من الوالدين”.
وحول الأثر الذي يتركه الأجداد في حياة الأحفاد، يروي الفنان الهندي رانفير سينغ الذي حاز جائزة أفضل ممثل رئيس، عن دوره في فيلم “بادمافاتي”، وهو فيلم ملحمي تاريخي، أنّ جدته، تلك المرأة الكبيرة في السن، كانت تسرد له الحكايات في طفولته، فكان يصغي لها. وقال في إحدى مقابلاته: “يعود الفضل في هذا الإنجاز إلى جدتي التي كانت تروي لي في طفولتي الحكايات والأساطير الهندية، الأمر الذي أسهم في تشكيل مخزون من الحكايات لدي، مما ساعدني في القيام بأدوار تتناول هذه الأساطير والحكايات بشكل أقرب إلى الحقيقة منه إلى التمثيل”
في نموذج آخر، تقول حنان عن جدتها لأمها، وهي امرأة أمية لم تلتحق بالصفوف الدراسية، ولكنها كانت تمتلك الحكمة والصبر في إدارة شؤون أسرتها: “طُلّقت جدتي وهي في سن صغيرة، وكان لديها عدد من الأطفال الصغار، وتحملت المسؤولة من غير تذمر أو شكوى، وغرست فيهم قيمًا وأخلاقًا نبيلة، مثل عزة النفس والكرامة وعدم الاستسلام.”
تضيف حنان: “اكتسبت الكثير من صفات هذه الجدة العظيمة، مثل قوية الشخصية، والتحمّل، والصبر في المواقف الصعبة، وعدم الاستسلام أو الخضوع”. وتتابع: “استطاعت هذه الجدة البسيطة، بقوة شخصيتها، أن تخلق لها حضورًا قويًا في العائلة والمجتمع، ففرضت احترامها على الجميع، فكانوا يرجعون إليها في الكثير من القضايا الاجتماعية، ويأخذون برأيها في كل صغيرة وكبيرة”.
استشاري علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان يرى في اقتراب الأحفاد من الأجداد الكثير من الإيجابية لكليهما، لأنّ الأجداد يمتلكون رصيدًا كبيرًا من الثقافة والخبرة والتجربة التي يستفيد منها الأطفال، فهذه التجربة والخبرة هي خلاصة تجارب عشرات الأعوام التي عاشها هؤلاء الأجداد، كما أنها تتميّز بالصدق والإخلاص، والحرص على إيصال المعلومة المفيدة والصحيحة والصادقة للأطفال، بعيدًا عن المبالغة، والقصص غير الصادقة.
ويضيف سرحان: “هذه القصص والحكايات تزرع في نفوس الأحفاد القيم والأخلاق الحميدة، والنخوة، وتبعدهم عن كل ما هو غير صادق، وغير حقيقي، فالطفل في عمر معيّن يخزّن في ذاكرته جميع ما يسمعه، فهو عبارة عن مخزون يتكئ عليه في مراحل عمره ليستخرج من هذا المخزون ما ينفعه في حياته”.
ويشير سرحان إلى أنّ الأسرة في الماضي كانت تشترك في السكن، وكان الأحفاد يمضون أوقاتًا أطول مع الأجداد، ويستمعون إلى قصصهم وحكاياتهم. كما أنّ الأجداد يقومون بمساعدة الأبوين في تربية الأطفال. وينفي سرحان أن يكون الفجوة العمرية بين الأحفاد والأجداد يشكّل عائقًا في العلاقة بينهم، بل على العكس، يكسبهم ذلك الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية والوطنية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock