تحليل إخباري

الأحادية اللغوية القاتلة في العالم

د. محمود أبو فروة الرجبي

تعاني غالبية لغات العالم من تحديات كبيرة، خاصة في ظل الهيمنة الكاملة للغة الإنجليزية التي فرضتها عدة عوامل لها علاقة بالسيطرة الاستعمارية للامبراطورية البريطانية سابقًا، ثم ساندها حلول الولايات المتحدة الأمريكية كأعظم دولة في العالم مكانها، وجاءت الضربة القاصمة القاضية بدخول الرقمية إلى الحياة، فارضة معها لغتها الأساسية الإنجليزية.
لم يعد العالم قائمًا على التعددية اللغوية كما كان الحال سابقًا، ورغم حدوث الإرهاصات التي تدل على أن العالم بات على وشك الخروج من الأحادية في القوة العسكرية التي سيطرت من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية على العالم كأعظم قوة، والآن ومن خلال منافسة روسيا لها، وإعادة تموضع لقوتها العسكرية، واختلاف استراتيجيتها في التعامل مع العالم، ومع ذلك فروسيا لا تمتلك القوى الناعمة التي تمتاز بها أمريكا، وليست لديها طموحات ثقافية، ولا أذرع مالية، واجتماعية، واستعمارية مثل التي تملكها أمريكا.
وفي الجانب الآخر فإن أوروبا تابعة بشكل أو آخر لأمريكا وحتى الدول التي كانت تعد لفترة قريبة ذات أنفة وعنفوان لغوي، وكبرياء قومي مثل ألمانيا، باتت أقرب إلى اللغة الإنجليزية، واستعمالها كلغة ثانية، بل إن العلوم في العالم كله أصبحت شبه محصورة بهذه اللغة.
كل أمة أو قومية في العالم تحب لغتها، وتعمل من أجل صمودها في وجه طغيان اللغة الواحدة، وأحاديتها، ومع ذلك، فإن أكثر المتحمسين لأي لغة يدركون أن الواقع لا يسير في صالحهم، وأن الوقت يعني مزيدًا من الهيمنة اللغوية الواحدة.
لا يظهر في الـمدى المنظور أي أمل لتقليص هذه الهيمنة، ورغم التطورات الكبيرة التي حصلت في الـمحتوى العربي على الإنترنت، ومع تطوره بشكل هائل، ومع ذلك، ما زلنا دون الـمستوى الـمطلوب في هذا الإنتاج، ونحتاج إلى وضع استراتيجية تعمل عليها الدول العربية والكتل الناطقة بالعربية، ولن تنجح أبدًا ما لم توضع في أولويات عمل هذه الدول، وإذا لم نصل إلى مرحلة نجعل هذا الهدف هاجسًا شعبيًا فلن ننجح.
ورغم إدراك العالم الآخر – غير الناطق بالإنجليزية – لخطورة هيمنة اللغة الواحدة، واتجاه العالم نحو هذه الأحادية التي لا تقف عند حد اللغة بمفهومها البحت، بل لها تبعات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية وغيرها، ومع ذلك فإن – الضحايا- إذا جاز لنا التعبير، يشاركون أكثر من أصحاب اللغة المهيمنة في حصول هذا الأمر المقلق.
مثال بسيط على مشاركة دول العالم في فرض مزيد من الهيمنة اللغوية الإنجليزية، اشتراط هذه اللغة كمتطلب أساسي في التعيين حتى في المهن التي لا تحتاج إليها، شخصيًا، لست ضد إتقان لغة ثانية، وهذا مطلوب، وجميل، ولكن أن تصبح هي الأساس في التعيين، فهذا يحتاج إلى مراجعة، فتخيلوا شخصًا ضعيفًا في اللغة العربية، ولا يفرق بين التاء المربوطة والهاء، بل بينها وبين التاء المفتوحة، فماذا سيؤثر عليه ذلك في التعيين في كبريات الشركات العربية؟ لا شيء، لكن في الـمقابل لو لم يكن قادرًا على الحديث بالإنجليزية بطلاقة، سيصبح تعيينه من المستحيلات في بعض المواقع غير المهمة، وفي كل المناصب الراقية.
هذا الأمر يرسخ في أذهان العامة أن اللغة العربية أقل مرتبة من الإنجليزية، والتطرف وصل ببعض الناس إلى الافتخار بأن أبناءهم لا يعرفون لغتهم الأم رغم أنهم يعيشون في دول عربية، ولم يخرجوا منها قط، وهذه الدونية تترسخ مع مرور الوقت، ومع إيمان العديدين أن نجاحهم، وفلاحهم في هذه الحياة الدنيا بإتقان هذه اللغة يزداد الأمر سوءا.
والحديث عن نشر الأبحاث العلمية، وسيطرة “سكوبس” وغيرها التي جعلت سر نجاح أي جامعة أو أستاذ جامعي في العالم مرتبطًا بها، وتهميش المجلات العربية – مثلًا- رسخ في أذهان الأساتذة الجامعيين، وهم قادة الـمجتمع، والنخبة الفكرية فيه، أنهم لا يستطيعون اجتياز ما يطلب منهم دون النشر في المجلات التي تحمل إجازة من هذه الشركات، والتي هي أساسًا شركات ربحية، والغالبية العظمى من مجلاتها لغتها إنجليزية، والسؤال الـمؤلم الذي يدق ألف إسفين في الرأس: فماذا لو قامت جامعة الدول العربية بعمل تصنيف للأبحاث العلمية والجامعات خاص بها، لا يشترط اللغة الأجنبية كمعيار أول، بل يضع معايير حقيقية بعيدة عن الربح التجاري، فهذا حسب وجهة نظري سيساهم في إزالة ما علق بالأذهان من محاولات جعل اللغة العربية أدنى من غيرها– وحاشا للغتنا العظيمة هذه أن تكون أدنى من غيرها- ولكننا نتحدث عن نظرة الناس إليها، وشتان ما بين الأمرين.
وذلك ينسحب على كل مناحي الحياة، وأود في هذا السياق أن أقول لكل من يفرح لأن ابنه لا يعرف العربية، أن هذا فيه ضياع للهوية، ومع مرور الوقت سيدرك هو قبل غيره أن من يفقد لغته تتغير قيمه، وسلوكياته، وقد ينعكس ذلك حتى على طريقة تعامله مع عائلته.
واهم من يعتقد أن اللغة العربية مجرد شيء نحتفل به مرة واحدة في العام، أو هي قيمة رمزية نتغتى بها في بعض المناسبات والقصائد الشعرية، فهذه اللغة وعلى مر التاريخ وحدت الأمة العربية في أحلامها وطموحاتها حتى وهي في قمة تشتتها، وتشرذمها، ولولا هذه اللغة ما عرفنا بعضنا في المشرق والمغرب العربي، وبدونها لن نستطيع أن نفهم بعض، أو نستوعب النتاجات الثقافية والفنية لبعضنا، وغيرها من الأمور.
علينا جميعًا أن نرسخ مكانة اللغة العربية، ونعتبرها في قمة أولوياتها، وأن نعد من يتقنها في قمة الـمجتمع، وأن نتوقف جميعًا عن الافتخار بعدم معرفتها، فإذا كان تعلم لغة أجنبية واجب، وعمل جميل يفتح الذهن، ويجعلك أكثر استيعابًا للحياة، فإن معرفتك لغتك العربية يعني أنك في القمة الحضارية.
اللغة العربية في خطر، ولكنها لن تندثر أبدًا، وعندما يستيقظ أهلها سيعرفون أنها جزء من انطلاقتهم الحضارية نحو الـمستقبل، ومن لا لغة خاصة له، لا مكان له في صفوف الأقوياء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock