أفكار ومواقف

الأحزاب بين التمويل والتمثيل

لنتفق جميعا، أن الأحزاب ليست هدفا في ذاتها، بل هي وسيلة حضارية للمشاركة في الحكم، بالكلام المحلي الواضح، الأحزاب: “آلية الشعب للوصول للدوار الرابع”، وبكلام سياسي أدق، الأحزاب وسيلة الشعب لتحقيق نص المادة الثالثة من الدستور، والتي تنص على أن “الشعب مصدر السلطات”، وذلك لا يكون إلا بتشكيل حكومات برلمانية، يعني بالمختصر المفيد لا حكومة برلمانية دون أحزاب ذات برامج فاعلة في البرلمان، بمعنى أن تتمكن تلك الأحزاب من الحصول على مقاعد في البرلمان تؤمن لبرنامجها ” ثقة ” البرلمان بتشكيل الحكومة من هذا الحزب الذي ضمن أغلبية مقاعد البرلمان وحده أو مع أحزاب توافق معها، لتشكل بقية الأحزاب في البرلمان حكومة ظل.
إذا وعلى الرغم من أهمية المشاركة الحزبية في الحياة السياسية العامة والتأثير على الرأي العام بالوقفات والاحتجاجات والبيانات والمظاهرات، وعلى الرغم أيضا من أهمية المبادئ الحزبية التي تجمع منتسبي الحزب حولها، فإن مسألة وصولهم أو عدم وصولهم للبرلمان هي مؤشر الأداء الأهم على نجاعة عملهم، ومسألة عدم وصولهم تعني أن هناك إما عوارا في المبادئ التي يتبناها الحزب (لأنها لا تحقق مطالب الشعب ..و/أو لا تحظى بتأييده .. أو لا تتوافق وحاجاته..)، أو أن هناك عوارا في إدارة الحزب وتطبيقه لمبادئه ونشر فكرته وجمع مؤيديه.
فالأحزاب لا تكون أحزابا بتحولق مجموعة من الناس حول مجموعة أفكار ومبادئ، بل بقدرة تلك الأحزاب على تمثيل المواطنين وتحقيق مصلحتهم من جانب، وكذلك في الدفاع عن حرياتهم وحقوقهم كما نص عليها الدستور من جانب آخر، وللموضوعية فإن ضعف الأحزاب الحالي ساهمت به سياسة الدولة التاريخية بالعمل على “شيطنة” الأحزاب والعمل الحزبي، بملاحقة الأحزاب والحزبيين ومحاربتهم بطردهم من العمل في الدولة – وللصراحة ومن غير قصد صنعوا معروفا مع كثيرين فحرمانهم من العمل في القطاع العام وجههم للقطاع الخاص .
ولكن من ناحية أخرى فقد تم تفعيل النص الدستوري الذي يبيح للأردنيين العمل الحزبي منذ أكثر من ربع قرن، وعليه وعلى أهمية ذلك العامل التاريخي في تبرير ضعف العمل الحزبي، فإن التمسك به وحده ينافي الموضوعية وينافي ضرورة مكاشفة النفس الحزبية، تلك المكاشفة اللازمة لتقييم العمل الحزبي وإعادة تفعيله شعبيا، خاصة وأن بعض الاستطلاعات الأخيرة تشير إلى أن الثقة الشعبية وخاصة ثقة الشباب في الأحزاب تكاد تكون منعدمة.
إن العقبة الأساسية التي تقوم أمام حزب برامجي وطني هو التمويل، بمعنى النفقات الضرورية للوصول للناس، والتمويل الذي تأخذه الأحزاب حسب نظام التمويل الحالي ليس تمويلا من الحكومة بل هو تمويل من دافعي الضرائب الأردنيين، ولهذا فإن الحرص على صرفه في مجالاته الصحيحة هو ضرب من ضروب مكافحة الفساد الذي ندعو إليه مواطنين كنا أو أحزابا، بل هو قضية ضرورية لحث الأحزاب على تحقيق مؤشر أدائها الأساسي وهو الوصول الى البرلمان ومن ثم كما قلنا للدوار الرابع.
لذا فإن الحرص على ربط تمويل الحزب من خزينة الدولة ومن جيوب دافعي الضرائب، بمؤشرات أداء الحزب مثل ترشح اعضائه للبرلمان وفوزهم بمقاعده، أو بتقديم شباب ونساء للبرلمان على درجة من الكفاءة، أو بأن يمارس شفافية مالية وإدارية تضمن الديمقراطية الحزبية وتداول السلطة داخل الحزب، ومنع تكلس قيادة الحزب بقيادة واحدة على مدى الحياة، أو بالتشجيع على اندماج الاحزاب لكثرة عددها، هو مطلب شعبي وشبابي وليس حكوميا، وليس للحكومة أن تزاود علينا به، إنها بالأصل التزامات حزبية وفكرية، فالحزب الذي لديه نزاهة مالية يستطيع أن يطالب الحكومة بها.
مشروع نظام الأحزاب الحالي الذي ربط بين التمويل وبين تحقيق مؤشرات اداء سياسية وديموقراطية هو مطلب شعبي وضرورة عقلية ومنطقية لكي تراجع الأحزاب دورها وعملها، وهو خطوة في الاتجاه الصحيح، كما أنه ممارسة دولية متعارف عليها، فاهم علي جنابك؟!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock