;
أفكار ومواقف

الأحزاب ركيزة التحول الديمقراطي

لا يختلف اثنان على أن الأحزاب السياسية تشكل الركيزة الأهم في بناء المجتمع والدولة الديمقراطية، على الأقل هذا ما يمكن استنتاجه منذ ظهور الدولة الديمقراطية الحديثة. الأحزاب السياسية تخرج من رحم الدولة لتعمل ضمن دستورها، وتقوم بإعداد القيادات السياسية، وتمثل المجتمع على أسس اقتصادية واجتماعية، وهي الوسيلة الرئيسية لتداول السلطة التنفيذية.
أيضاً لا يختلف اثنان على أن التجربة الحزبية في الأردن متعثرة، وتعاني الساحة من ازدحام بالأحزاب السياسية. وبصرف النظر عن النوايا الطيبة للقائمين عليها، لم تستطع أن تشكل حالة لها امتداد شعبي على أسس فكرية مصلحية ذات امتداد اقتصادي واجتماعي في المجتمع. هذا لا يعني عدم وجود أحزاب لها حضور ودعم من المجتمع، ولكنها قليلة، ولم تستطع أن تتبنى مستلزمات الديمقراطية كافة.
أغلب التفسيرات في تعثر هذه التجربة تتحدث عن أسباب لها علاقة بالمجتمع أو بالأحزاب نفسها أو بالتاريخ السلبي للحياة الحزبية في فترة الأحزاب الأيدولوجية في الخمسينيات والستينيات، ولكن قد يكون السبب الأهم هو علاقة الأحزاب الأيدولوجية التاريخية بالدولة الأردنية التي كانت تتسم بالعدائية المتبادلة والشك والريبة.
الأحزاب الأيدولوجية التاريخية كانت تطمح لدولة على المدى البعيد غير الدولة الأردنية القائمة التي جاءت تكريسا للثورة العربية الكبرى كمشروع دولة عربية حديثة. والأحزاب السياسية والأيدولوجية كان لها تصور لمشروع دولة أخرى سواء أكان قوميا أو أمميا أو غيره. ولمواجهة هذه المشاريع المعادية للدولة الأردنية، وجدت الدولة نفسها مضطرة للتعامل مع المواطنين من خلال أطر غير سياسية، وبشكل خاص التعامل مع قيادات المكونات الاجتماعية المختلفة سواء كانت عشائرية أم مناطقية أم اثنية أم دينية، وهذا شكل مصدر قوة واستمرار للدولة الأردنية، وحاز على رضى الشعب والدولة في آن واحد، وتمكنت الدول من بناء المؤسسات والسير قدما من خلال هذه المعادلة حتى وقت قريب.
ولكن حدثت مجموعة من التغيرات والتحولات، كان من أهمها عدم القدرة على الاستمرار بـ “دولة الرعاية” التي كانت موجودة حتى الثمانينيات، ومع التحول للقطاع الخاص ضعفت قدرة الدولة على الاستمرار بهذه المعادلة. كذلك الحال، وبالتداخل مع النقطة الأولى من استئناف الحياة الحزبية والعودة لديمقراطية الانتخابات، ما فتح المجال واسعا للتحول إلى الديمقراطية ورفع من توقعات الناس بالمشاركة السياسية والوصول للسلطة التنفيذية والتشريعية. ولكن ونتيجة لعوامل عدة استمرت عملية المشاركة السياسية سواء في الانتخابات أو الولوج للسلطة التنفيذية من خلال الأطر التقليدية، وهي بالضرورة ليست أطرا سياسية، ولم نستطع كمجتمع ودولة من أن نطور بالآليات السياسية لإحداث التحول المنشود من قبل الدولة والمجتمع.
إن غياب الأحزاب السياسية الفاعلة المشاركة في العملية السياسية، أصبح له تداعيات سلبية على المجتمع والدولة على حد سواء. هذه الحالة أفقدت الدولة الوسيط السياسي بينها وبين المجتمع، وتراجعت الثقة بالسلطة التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان) إلى درجات مقلقة، وأصبح المجتمع ينظر لكليهما على أنهما لا يعملان لصالح المجتمع، بل لصالحهما وصالح أصحاب المصالح، وهذا يفسر العديد من المظاهر التي نشاهدها اليوم من أشكال التعبير الاجتماعي أو السياسي ويفسر أيضا ضعف أداء الحكومات المتعاقبة، وتراجع أو ضعف المؤسسية بالعمل السياسي ما يؤثر سلبا ليس في الأداء العام فقط، وإنما أيضا في الدولة نفسها.
لقد بات تطوير الأحزاب السياسية ضرورة ليس فقط للمجتمع، وإنما للدولة نفسها أيضا، لأن غياب الأحزاب السياسية يضع الدولة من حيث لا تدري في مواجهة مباشرة مع المجتمع نتيجة ضعف التمثيل الشعبي للحكومة والبرلمان. ثلاثة عقود من الضعف والفشل الحزبي كفيلة بدفعنا للتفكير خارج الصندوق للخروج من هذه المعضلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock