ثقافة

الأدب الساخر: نحت المفارقة بأدوات حادة لتعرية القبح وسرد اوجاع الناس

كتاب ونقاد وقراء يدلون بدلوهم في حقل ابداعي مشاكس


محمد الكيالي


عمان – يمكن إدراج كل أدب قائم على المفارقة، أو النقد اللاذع لسلبيات الواقع المعاش، أو المثير للضحك، أو المقدم أحداثه وسردياته بشكل غير متوقع أو مبالغ فيه، في نطاق الأدب الساخر الذي يحقق بشكل مطرد تقدما ملحوظا ومكانة مرموقة بين باقي أنواع الأدب الأخرى.


سخرية برسالة جمالية


وبمحاكاته قضايا الناس، وتناوله همومهم، وعدم تحرجه من نقد الواقع السياسي والاجتماعي المحيط، فقد تجلى الأدب الساخر كحامل لرسالة جمالية أخلاقية قد لا تقل أهمية عن تلك التي تحملها بقية أنواع الآداب، لغة ساخرة داخل إطار أدبي، تعري الواقع المعاش بطريقتها، وتجعل الناس يضحكون وفي الوقت نفسه يبكون أحوالهم.


يوسف جبرائيل وهو أحد المهتمين بالكتابة الساخرة، يرى أن هذا النوع من الآداب يلفت انتباهه كثيرا ويحرض في داخله شوقا كبيرا للقراءة وحب الاطلاع.


ويردف جبرائيل (27 عاما) قائلا “أحس أن الكتابة الساخرة تبدو كفلاح يلبس بدلة حديثة مع ربطة عنق فوق جلابيته، وأن هناك من يتقنها باللغة الفصحى أكثر من المحكية، لكنها لا تضحكني حد البكاء إلا إذا كانت مكتوبة بالعامية البسيطة”.


 ويرى جبرائيل الذي يعمل في إحدى دور النشر في العاصمة عمّان، أن الخلط بين العامية والفصحى يكون ممتعا أكثر وموصلا للفكرة بشكل أسرع وذلك حسب ما يقتضيه الموضوع المطروح.


ويشير الموظف الإداري بشير رضوان، أن اللهجة الأردنية العامية استطاعت أن تغزو معظم أرجاء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، رغم مواجهتها لمنافسة شديدة من لبنان وسورية ومصر، الأمر الذي يجعلها مقروءة ومسموعة أيضا.


ويؤكد رضوان (33 عاما) على تعلقه الشديد بما ينشره بعض الكتاب الأردنيين من كتابة ساخرة يتناولون فيها قضايا حياتية تمس المواطن بشكل مباشر، بأسلوب خفيف مبسط يؤدي إلى “فرفشة” القارئ وإنعاش وجدانه.


“المحكية” ليست أدبا ساخرا


الزميل الكاتب فؤاد أبو حجلة يرى أن الأدب الساخر ليس المكتوب فقط، ولكن أيضا المحكي والمرئي والمعاش.


“الحياة بشكل عام والحياة العربية بشكل خاص تزخر بمحفزات السخرية التي يعبر عنها الناس في علاقاتهم اليومية بأشكال مختلفة منها النكتة والتعليق”، يشير أبو حجلة.


ويقول أن الكتّاب في الأردن، ما يزالون يتلمسون طريقهم نحو التميز في هذا الصف الإبداعي من الكتابة، ورغم وجود عدد من الأقلام المهمة، إلا أنهم لم يستطيعوا حتى الآن أن يقدموا كتابة ساخرة بهوية محلية تنافس ما هو موجود في أقطار عربية أخرى كمصر وسورية.


وفي إشارة لا تخلو من دلالات وفاء وتقدير كبيرين، يقول أبو حجلة “قبل أشهر قليلة، خطف الموت أحد أهم الكتاب الساخرين العرب وهو محمد طمليه، الذي يمكن القول إنه الكاتب الأردني الأكثر انتشارا خارج الحدود”.


ويضيف “لا أعتقد أن الكتابة باللهجة المحكية هي كتابة ساخرة، بل لا أعتقد أنها كتابة أصلا، وكلما زادت أدوات المبدع، كلما ارتقى تميزه، ولا أعتقد أن اللهجة المحكية واحدة من أدوات الارتقاء بالنسبة لكاتب ساخر حقيقي.


وفي تقدير أبو حجلة أن الكاتب يجب أن يتعامل مع النص الساخر وأن ينتجه ويقدمه باعتباره نصا تنبع أهميته من محتواه وليس من اسم كاتبه، بمعنى آخر، يجب ألا يتحول الكاتب ذاته إلى نص، لأن ذلك يعني أن السخرية ستكون من الكاتب وليس من المشهد.


ويقول “هناك من الكتاب من يقبل ذلك فيتحول إلى مهرج ولا أعتقد أن المهرج قادر على إنتاج أدب”، مضيفا “صحيح أن وتيرة الحياة متسارعة لا تحتمل الإطالة، وربما تتقبل بشكل أكبر الجملة القصيرة المباشرة، لكن ذلك لا يعني بأي حال أن الكتابة الساخرة يجب أن تكون دائما مباشرة، وهناك كثير من الكتاب المبدعين الذين يقدمون النص الساخر بأسلوب غير مباشر وجاد وممتع في آن”.


أبو حجلة يستدرك قائلا “إذا كانت الكتابة الساخرة تقوم أساسا على توظيف المفارقة، فإن كل ما حولنا من مشاهد صغيرة أو كبيرة يمكن أن يتحول إلى نص ساخر”.


سلاح الدفاع الاول


الكاتب يوسف غيشان أحد أعمدة الكتابة الساخرة محليا، وواحد ممن تحمل كتابته الساخرة نكهة خاصة، يرى أن الكتابة الساخرة هي مجرد أسلوب، لتمرير الأفكار بطريقة يتقبلها الآخر بسهولة أكبر ومن دون كثير نقاش، وهي في الوقت ذاته “مادة جميلة تبث الفرح في قلوب الناس، وأحيانا تبعث المرارة الحزينة الناقدة التي تسعى إلى تصحيح الاعوجاج، وليس مجرد الردح”.


غيشان وعبر نقلة أكثر عمقا في مداخلته يقول “أميل قليلا إلى تصديق علماء النفس الذين يدّعون بأن السخرية بشكل عام هي سلاح فردي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون غير المطبق، وهي مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي”، مضيفا “بجسد منهك وبقلم رديء الصنع تستطيع إخفاء هشاشتك الداخلية أمام الآخرين سواء أكانوا أفرادا أم جماعات أم قوى سائدة تتحكم في مقدرات المجتمع وقراراته المصيرية”.


وعلى المستوى الجمعي، يرى غيشان أن الكتابة الساخرة فعل اجتماعي بالضرورة، لأن السخرية، كانت أول سلاح يستخدمه الشعب لمقاومة المحتل والغاصب والظالم والفاسد.


ويصفها بأنها “سيف الروح الوطنية الذي يمتشقه الكاتب ليعيد الأشياء إلى أحجامها الطبيعية ويفقع بالونات البروباغاندا، ويطهر الأمكنة من فسادها ويعيد المسؤول إلى وضعه البشري، بعد أن اصطنع هالة من الوهم والقداسة المزيفة حول ذاته”.


ورافعا وتيرة الجرأة الناقدة في مداخلته، يقول غيشان “هدف الساخر هو تعرية القبح وليس امتداح الجمال، هدفه نقد الحكومات وليس التغزل بلغاليغها، حتى لو كانت تلك “اللغاليغ” جميلة ومدهونة جيدا بالمساحيق السادة للمسامات والتجعدات والضمائر”.


وقد تكون السخرية العربية “امتدادا طبيعيا ومطورا للهجاء العربي الذي انتقل من هجاء الفرد إلى هجاء الجماعات، وكان الرسول الكريم يحث شاعره حسان بن ثابت على هجاء الأعداء وليس على نظم المدائح في زهد أو شجاعة أو عمق إيمان الصحابة، هكذا كان مفهوم الكاتب الساخر وهكذا سيبقى إلا إذا تحول إلى مهرج ومداح وواحد من (تنابل) السلطان”، بحسب غيشان.


وفي سياق تقييمه لواقع حال الكتابة الساخرة المحلية، يرى غيشان أنها بخير وتتبوأ مركزا ممتازا، يقول حول ذلك “لعلنا من أكثر دول العالم التي لديها كتابة ساخرة، نسبة إلى عدد السكان طبعا”.


وبحسب غيشان، فإن هذا النوع من الكتابة هذه تطور محليا، انطلاقا من العام 1983 عندما احتل محمد طمليه أول زاوية أردنية ساخرة في صحيفة الدستور باسم “شاهد عيان”، وصارت السخرية منتظمة الصدور للمرة الأولى، وكان علينا الانتظار حتى العام 1990 بعد الاتجاه نحو الديمقراطية لـ “نصاب بحالة فلتان ساخر”، مؤكدا ظهور العديد من الساخرين، الذين كان هو نفسه أحدهم، وظهور صحيفة “قف” لمحمد طمليه، وصحيفة “عبد ربه” التي أشرف على رئاسة تحريرها، ومن ذلك الوقت والسخرية الأردنية في تطور مذهل.


“أعتقد أن غرقنا في الاهتمامات المحلية يقلل من مدى أهميتنا على الساحة العربية قليلا، لكنه لا يلغي هذا الدور، سيما وأن المواقع الإلكترونية تساهم بشكل فعال في نشر الثقافة الساخرة في كل مكان ومن دون كبير مجهود”، يقول غيشان.


ويؤكد قائلا “إذا كان المقصود بالموقع هو موقعها الفني، فإني أعتقد أن الكتابة الأردنية الساخرة من أنجح التجارب العربية إن لم تكن أنجحها”.


وفي سياق متواصل يرى غيشان أن الكتاب الساخرين المحليين “متنوعون ولا أحد منهم يقلد الأخر لا بل أن كل واحد منهم تمكن من ابتكار قاموسه الخاص وصوته الخاص وضحكته الخاصة”.


إناء اللغة


وعن الكتابة الساخرة باللهجة المحكية، أكد غيشان أن “اللغة هي الإناء الذي يحمل السخرية، سواء إذا كنت تحمل السائل في إناء من صنع يدوي وبطرق بدائية، أو تحمله في إناء كريستالي أنيق، المهم هنا هو السائل ونوعيته ومدى جودته ومدى تقبل الناس لطعمه ونكهته”.


ويقول “أنا شخصيا أخلط بين العامية والفصحى، وأستخدم اللغة الثالثة التي هي خليط بين المحكية والفصحى، لكني لا أمانع إذا تم استخدام اللغة المحكية تماما، فالمهم هو السخرية ودرجة نجاحها فنيا ومدى تقبل الناس لها؟”.


الكاتبة هند خليفات تعرّف الكتابة الساخرة بأنها “الجرأة في إظهار وجه الحياة من دون مكياج، فن كلام جامح لكنه لا يخضع للتنميق أو الابتذال، وهي آخر من يسخر من الإنسان في الحياة”.


وتشير خليفات إلى أن “التطعيم” باللهجة المحلية يشبه إعطاء حقنة أو دواء يجب أن تكون بمقدار معين، من دون إسراف، وقلة جدا من الكتاب يجيدون نسجها ضمن حياكة النص بطريقة طبيعية. الكتابة الساخرة المحلية في نمو مستمر وفي مرحلة وضع دعائمها في النسيج الثقافي الأردني وبمساحة جيدة، ومتلقي هذا النوع من الكتابة هم عادة قراء أوفياء ويحتفظون بالنصوص التي نكتبها، ويحفظونها عن ظهر قلب أحيانا.


وتقول إن السخرية عمل في غاية الدقة والمهارة، فالمتلقي يفتح حواسه ويشحذها كاملة ليتلقى جرعة السخرية فأي كلمة في غير مكانها أو بجرعة عالية فربما تنفر القارئ أو المتلقي، مشيرة إلى أنها حقل ديناميكي متجدد أكثر من أنواع الكتابة الأخرى، هي نبض الشارع أو “بيت” الشارع أو “هيب هوب” الموقف وهي أحيانا “هجينة” السواليف.


وحول تجربتها في هذا النوع من الكتابة، قالت إنها كانت أشبه بزيارات مع العجائز والنساء، مشيرة إلى أن متعتها بالكتابة تشابه متعة النساء بالتسوق، قائلة “أنا أتسوق الكلمات والسواليف والالتقطات التي ربما لفظها المجتمع نحو الزوايا المنسية المغيبة”.


“تجربتنا، نحن الكتاب الساخرين في الأردن، من وجهة نظري الشخصية تجربة تؤخذ على محمل الجد ولها أساسات ثقافية عتيقة، فمعظمنا شعب يحب النكتة ويجيد التهكم الذكي ولديه من سرعة البديهة ما يؤهله لالتقاط المغيب والبعيد والمخفي”، تقول خليفات.


وتؤكد أنه وبشهادة كتاب عرب من مصر وسورية فإن الكتابة الساخرة الأردنية باتت “راية نصر تغرس على جبل الكتابة العربية بشكل عام، حتى مع إغراقها أحيانا بالألفاظ المحلية المضبوطة التي لا تقلل من قيمتها الأدبية، خصوصا أن اللهجة الشعبية الأردنية مفهومة وسهلة التقاطع مع لهجات أخرى”.


وتتلمس خليفات هذا الأمر في مجموعتها الساخرة “اعترافات امرأة لا تجيد لف الدوالي”، التي أثارت صدى جيدا في مصر ولبنان وسورية وتلقت عروضا لقراءتها هناك بكل ما فيها من محلية، وأن كل ما كان فيها من محلية كان مفهوما وطريفا.


الكاتب أحمد أبو خليل يرى أن الكتابة الساخرة “مثل باقي الكتابات، قلم وورق، وحديثا لوحة مفاتيح وشاشة كمبيوتر، لكن الساخر لا يكتب كلاما رسميا نموذجيا متوقعا بل يبحث عما هو خفي متوار غير معترف به، إنه يشتغل في المساحة الواقعة خلف الظواهر وفي “الزواريب”، ببساطة إنه لا يطلق تصريحات رسمية بأي شكل وباسم أية جهة، وليس هناك ساخر سلطان أو ساخر حزب أو حتى ساخر شعب، لأن الشعب نفسه قد يكون ويجب أن يكون ميداناً للسخرية”.


وفي الأردن كما في غيره، ترتبط الكتابة الساخرة حسب أبو خليل بالحالة الثقافية العامة في البلد، فالمجتمع هو البيئة التي تحتضن كل أنواع الكتابة الساخرة وغير الساخرة، ومن هذه الناحية علينا أن لا نتوهم كثيرا.


“لا يجوز الاقتصار في الكتابة الساخرة على ما أسميهم “الساخرين المصنفين” أي تلك المجموعة من الكتاب الذين عرفوا على أنهم ساخرون، فهناك لمحات تهكم في كثير من الكتابات، ومن الجانب الآخر- وعلى الأقل بالنسبة لي- فليس كل ما أكتبه يمكن تصنيفه كذلك”، يؤكد أبو خليل قائلا.


ويعتبر أن الكتابة باللهجة المحكية أمر نسبي، مشيرا “فيما يتعلق بي، فأنا أكتب بالفصحى فقط، ولا أرى أن لدينا عامية صالحة لكتابة نص مكتمل، أو على وجه الدقة لا أستطيع كتابة نص مكتمل بالعامية، لكني أستخدم المفهوم المحكي أو العامي بكثرة ولكن بحذر وأضعه بين أقواس خاصة، فهو مهم لأنه يحمل دلالات متعددة، إنه من تأليف جماعي له موسيقاه الخاصة وأحيانا يكون جوهره متصلا باختيار أحرفه دون غيرها، أي أنه لا يعوض بالفصحى”.


الضحك الاردني غير رسمي


حول اعتبار الشعب الأردني ضاحكا أم لا، يعتقد أبو خليل أن هناك ضحكا أردنيا ولكنه “غير رسمي” ومخفي وغير معلن ويحاول صاحبه إنكاره، فالأردني لا يقبل أن تكون شخصيته الظاهرة المعلنة ضاحكة، وهو ميال إلى تقديم الصورة الوقورة عن شخصيته وعن مواقفه وشؤون يومه.


ويؤكد على أن الأردني يعيش في وضعية “على الهواء مباشرة”، أي أنه مضطر إلى التحوط في كلامه ومواقفه، لكنه ما أن يخلو إلى نفسه أو إلى مقريين منه حتى تجده يكشف عن روح نقدية متهكمة، ويمكن التدليل على ذلك بالإشارة إلى أن أغلب الأمثال الشعبية تتخذ صيغ تهكمية ضاحكة، والمعروف أن الأمثال فيها تعبير عميق عن شخصية المجتمع الذي تنشأ فيه.


بدوره يرى الكاتب كامل نصيرات أن مفهوم الكتابة الساخرة، هي أن “تكتب أدبا يتقاطع مع أقدار الناس المتناقضة، وأن تحمل ترسا تهاجم به في المعركة بدلا من السيف، لأنك في حالة دفاع حقيقية عنوانها الهجوم”.


كتابة بلذة الوجع


ويعرّف نصيرات الأدب الساخر بأنه “اختراع عين جديدة ولسان جديد لتفاصيل متكررة، مشيرا إلى أنه وفي المحصلة فإن الأدب الساخر هو الكتابة بلذة عن الوجع”.


“أريد أن يفرق القراء بين السخرية والضحك وإن كانا يتقاطعان عند الحزام، والشعب الأردني جزء من لعبة اسمها الأمة العربية، لذا فهو ساخر بامتياز، والمشكلة لدى الأردني أنه يعتبر الضحك في العلن من العيوب وقلّة الهيبة، أما في السر فهو يمارس الضحك باحتراف لا يُضاهى”، يؤكد نصيرات.


ويضيف قائلا “السخرية ليس لها لغة أو لهجة محددتان، والأدب بالتأكيد كذلك، وما دمت تقدم طبق السخرية ويوجد من يطلبه ويأكله بنهم؛ فأنت بالتأكيد تصنع طبخة أدبية ساخرة بغض النظر عن موقف الشيف رمزي صاحب اللهجة الواحدة”.


ويؤكد على أنه منحاز بحرارة للكتابة الساخرة الأردنية، طارحا تساؤلا عن موقع الكتابة الساخرة العربية من الساخرة الأردنية، مجيبا عن سؤاله قائلا “نحن متقدمون، والفرق بيننا وبينهم، أننا نرقص بالعتمة ولا يرانا إلا الراقصون معنا الذين يحملون قدّاحات لإشعال سجائرهم، حتى أحلامهم التي في المنام يدعم خروجها وزارات ثقافة ترقص في العلن وأمام جميع الناس”.


الناقد نزيه أبو نضال يقول “لو تأمل أي منا ما ينشر من كتابات ساخرة الآن وفي الماضي لوجد هذه الكتابة تغرف موضوعاتها من أوجاع الناس وهمومهم، وهي دوما تواجه باللحم الحي حراب الطواغيت والنهابين، وهذه الكتابة تغرف لغتها من لغة الناس ومفردات حياتهم ومن قاموسهم الشعبي اليومي، حامل مخزونهم الاجتماعي بتقاليده وحكاياته”.


ويؤكد أبو نضال على أن الكتابة الساخرة تستولد خطابها من متابعة تشكيل الدلالة اللغوية والتعبيرية كما ينحتها الساخرون من صلب حكي البسطاء وتجاربهم المرة ومفردات حياتهم، بتجلياتها المتعددة والمتغيرة، بما فيها المكتوبة بالعامية والتي تمتلك أحيانا تأثيرا أشد عمقا من الفصحى.


ويشير “علينا هنا وكما نبهنا أكثر من مرة أن نميز بحسم بين الكتابة الساخرة، باعتبارها موقفا وفنا إبداعيا عظيما، يعرض صاحبه للمطاردة والمنع والإغلاق والنفي والضرب والسجن وربما القتل، وبين الكتابة التهريجية التي تستهدف مجرد الإضحاك المجاني”.


ويضيف في نفس السياق إلى ذلك أن الكتابة الساخرة هي ابنة المعاناة الطويلة، والانتماء المجيد لجبهة الشعب والفقراء، وقال “لكي تكون كاتبا ساخرا عظيما كما قال المعلم عزيز نسين سيد الكتاب الساخرين عبر التاريخ، عليك “أن تمر بآلام عظيمة”.


ولعل هذا هو سر هذا الارتباط الحميم بين الكاتب الساخر الحقيقي وبين فقراء الناس.


ويقول “نجد تأكيدا على هذه الصلة كيف أن كاتبا ساخرا مثل أحمد أبو خليل يغرف من بحر التراث الفلكلوري الريفي الأردني، بدلو يقطر بالسخرية، حتى يكاد يصبح مرجعية أنثروبولوجية”.


ويضيف أبو نضال أن القارئ يستطيع أن يولد من كتابات أبو خليل معجما للمفردات والتعبيرات عن الحياة الريفية الأردنية، ويقارب الساخر المتميز أحمد الزعبي هذا العالم الأنثروبولوجي من المفردات والتعبيرات والصور الريفية، والمستمدة أساسا من منطقة الرمثا، مع ميل واضح لدى الزعبي بمزج كتابته الساخرة بصياغات وتجنيحات إبداعية أدبية عالية، على طريقة رائد الكتابة الساخرة الحديثة في الأردن الراحل محمد طمليه.


ويعتبر أن الساخر الشعبي يوسف غيشان، أن كتاباته هي الأشد التصاقا بهموم الناس وقضاياهم اليومية، وهي كثيرا ما ترتبط بمادبا وحكاياتها وطفولته فيها، ممتلكا قدرة سردية عالية تستطيع تحويل أبسط الذكريات والأحداث، بل وحتى النكات الشعبية إلى أمثال وحكايات قصصية.


ويضيف أبو نضال “قس على ذلك بقية كتابنا الساخرين من كامل نصيرات وهو ينحت كتاباته من لغة الأغوار و”تعتير” أهلها، وعبدالهادي المجالي من ذكريات الكرك وغيرهم”.


ويقول إنه يمكن تسجيل إسهامات عدد من الساخرين المتميزين عبر تاريخ الكتابة الساخرة في الأردن من “عرار”، “ملحس”، “قعوار”، “رسمي أبو علي”، “موسى حوامدة”، وتلك المرأة التي لا تجيد لف الدوالي “هند خليفات”، “محمد الشواقفة” في المسرح، “ماجد المجالي” في الشعر، “سليمان عويس” في رباعياته الشعبية، بل وينطبق هذا الحكم العام على رسامي الكاريكاتير أيضا.


باسم الشعب ولأجلة


“من البديهي القول، كما سبق وأكدت مرارا، بأن الكتابة الساخرة لا يمكن أن تتغرب أو تذهب إلى متاهات النخب المثقفة، إنها من الشعب وبصوت الشعب وإلى الشعب، وبالتالي فكل كتابة ساخرة هي كتابة شعبية تتصل بوشائج وثيقة بالقضايا والهموم الاجتماعية، ولكن داخل هذا الإطار العريض نستطيع أن نميز ثلاثة فروع للكتابة الساخرة”، يضيف أبو نضال.


ويعتبر أبو نضال أن الفرع الأول يتمحور حول كتابة صحافية تستخدم الحكاية والمثل والنكتة الشعبية والحادثة اليومية وسيلة لتوصيل خطابها الملتزم للناس دفاعا عنهم ضد الجلادين والنهابين، وفي مقدمة هؤلاء يوسف غيشان، كامل نصيرات، طلعت شناعة، وعبدالهادي المجالي إذا لم يسف باتجاه التهريج، فثمة كتابة للإضحاك فقط وبلا موقف.


ويتناول الفرع الثاني وهو كتابة أدبية إبداعية تستخدم السخرية في سياق المعركة الاجتماعية الملتزمة، وفي التعبير عن هموم الذات أيضا ومن أعلام هذا الفرع الراحل محمد طمليه، أحمد حسن الزعبي، وإبراهيم جابر، وهذه الكتابة تدخل في باب الأدب الساخر وليس الكتابة الساخرة فقط فيتحول هذا الأدب إلى نص إبداعي مسكون بما يشبه الشعر بأرقى تجلياته وانزياحاته وكمائنه المدهشة. 


وفي الفرع الثالث الذي يدور حول مقال ساخر يتوسل اللغة الصحافية أو الأدبية لتوصيل فكرة ما أو للتعبير عن موقف ما بأسلوب انتقادي ساخر ومن المجيدين فيه أحمد أبو خليل، ماجد الخواجا، سامي الزبيدي، والمعتزل باسل طلوزي، وفؤاد أبو حجلة الذي أكلت الصحافة روحه الساخرة.


ويؤكد أبو نضال أنه لا يوجد “سور الصين” بين هذه الأنواع بل حتى في كتابات الساخر نفسه، كما يوسف غيشان، خاصة حين يتوهج بالشعر عند جنون الإبداع أو الألم، فتتحول كتابته الساخرة إلى أدب ساخر.


 [email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock