أفكار ومواقف

الأردن بلد خال من الريف!

تصدّرت الصفحة الأولى من “الغد” يوم أمس صورة رئيس الوزراء مقبلا على وليمة من الارز والدجاج، وترافق ذلك مع إعلان وزير الزراعة الأردن بلدا خاليا من الدجاج! آسف، أقصد إنفلونزا الدجاج.


مسارعة وزير الزراعة إلى إعلان الأردن بلدا خاليا من المرض له أهداف اقتصادية، إضافة إلى تقرير وضع قائم. والإعلان يهدف بالتأكيد إلى تشجيع الناس على العودة إلى استهلاك الدواجن بصورة طبيعية. ونحن نؤيد هذه الدعوة، ونفترض أن هذا يتضمن دعوة أصحاب المزارع للعودة إلى تربية الدواجن، فهل تدعو الحكومة إلى ذلك وتتحمل مسؤوليته؟ نقصد، هل تقول الحكومة لمربي الدواجن وللمواطنين: ارجعوا لتربية الدواجن على عهدتنا، فقد زال المرض، ونحن نتكفل بالتعويض إذا ما ظهرت من جديد حالات تقتضي العودة إلى حملات الإبادة؟


لقد تحمل أصحاب المزارع، الكبار والصغار، خسائر جسيمة، وكذلك القطاعات المرتبطة بتربية الدواجن، ومن المفهوم أن يتردد كثيرون ويخافوا، خصوصا وأن وزير الصحة لفت الانتباه إلى أننا لا نستطيع القول إن الخطر قد زال بوجود حالات في الدول المحيطة بنا. وأنا لا أنطق باسم مصالح أصحاب المزارع، لكن خطر لي ان حملة تشجيع المواطنين للعودة إلى الاستهلاك تتطلب أيضا تطمينات لأصحاب المزارع، وخصوصا الصغار منهم، وكذلك للمواطنين الذين يربّون الطيور للاستهلاك المباشر؛ هل بقي الكثير منهم؟!


ربما كانت حملة الإبادة الأخيرة للدواجن المنزلية قد أتاحت الاطلاع على حجم ما تبقّى من هذه الظاهرة. ففي طفولتنا، كان هناك دائما بضع دجاجات وديكة في محيط المنزل، وكان لدى جيراننا ارانب وطيور حبش أيضا، ولم يكن يخلو بيت أبدا من هذه الكائنات.


لست بصدد توجيه دعوة “رومانسية” للعودة إلى الأيام الخوالي، ومن المؤكد أن سكّان “الأقفاص” في  العمارات باتوا أكثرية ضمن سكّان المملكة، لكن المؤلم انه لم يعد في الأردن أبدا ما يمكن أن يطلق عليه “الريف” حقا. فالنمط الاستهلاكي لم يعد يفرق بين قرية ومدينة، وسكّان ما يطلق عليه “الأرياف” هم موظفون في عمّان ومراكز المحافظات، يعودون في المساء إلى البلدة لأن السكن مازال أرخص؛ السكن الذي اختفت منه كل مظاهر الاقتصاد المنزلي القديم. هل هي دعوة رومانسية للعودة إلى الاقتصاد المنزلي في مواجهة غلاء المعيشة، وتراجع قيمة الرواتب التي لم يعد ممكنا الاعتماد عليها كمصدر وحيد للدخل؟


خلال سنوات الحصار الطويلة للعراق، أصبح أفضل مستوى معيشة هناك في الريف، عند العائلات التي عادت إلى تربية مختلف الحيوانات والدواجن، وإنتاج كل الاحتياجات، وبيع الفائض منها للمدينة. أعتقد أن ثمة ثروة كامنة يجب العودة إليها من خلال برنامج وطني كبير، يتمثل في إعادة صنع الريف الذي اختفى من حياتنا.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ثقافة الريف
    مقال يتسم بواقعية الطرح لانه خلا من الافتعال وبرز من خلاله صدق العاطفه . المثال الذى ضرب للتفكر من العراق واقعى ومفيد لاخذ الدروس والعبر ومن المفيد ايضا عدم حصر اهمية الريف وثقافته فى ايام السلم بل التأكيد على اهمية اكبر عند منازلة الاعداء وخاصة فى العمليات الدفاعيه والمقاومه. فى المأثور من الامثال الشائعه -المجالس مدارس- وليت ان المهتمين بالشأن الثقافى والاجتماعى وضع تصوراتهم لانشاء مجموعة من النوادى الثقافيه الريفيه تعيد للمجالس الشعبيه دورها وتبنى تلك النوادى مكانا وتنظيما وادارة على اسس تكرس للثقافة الريفيه والاستفادة القصوى من الطبيعة والتقليل من النمط الاستهلاكى الذى تفرضه المدينة وتعقيداتها . من الامور المحيره تصنيف مجتمعنا فهل نحن بدو ام حضر ؟ ديمقراطيون ام عشائريون ؟ مع الاصالة ام مع الحداثه؟ من باب اولى علينا العودة الى اصولنا حتى لانكون كالغراب الذى قلد الحمامه . الذين يذهبون الى الغرب يلاحظون انتشار مثل تلك النوادى وتركيزها على ادق التفاصيل المعيشيه بنظرة ريفية فاحصه وصادقه. وشكرا للكاتب على ملامسته الرقيقه للموضوع.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock