أفكار ومواقف

الأردن بين الجغرافيا والإرهاب

بعد مرور ثماني سنوات على تفجيرات عمان، ثمة الكثير مما يمكن أن يقال عن موقع الأردن من خرائط الإرهاب الجديدة، والكثير أيضا مما يقال عن عبء الجغرافيا، وما تُنذر به من تحولات وتحمله من مصادر تهديد جديدة وقديمة، بعد أن أصبحت التنظيمات التي فرخها فكر “القاعدة” تحاصرنا من الشمال والشرق على حد سواء.
مرة أخرى، جعلت الجغرافيا السياسية الأردن في دائرة الأحداث الساخنة، بعد أن أصبح محاطاً بدوائر النار والرماد من حوله. وتجاوز القلقُ وسؤالُ المصير في لحظات فارقة خلال هذه السنوات دوائر صنع القرار، فوصلا إلى الشارع الأردني.
وفي الذكرى الثامنة لتفجيرات عمان، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات تتردد في الداخل والخارج، تفسر موقع الأردن من التغيرات التي عصفت بالمنطقة، في مواجهة الإرهاب ومصادر التهديد الجديدة.
الاتجاه الأول؛ يرى أن الأردن اقتنع بأن أقصر الطرق لحماية الذات والدفاع عن حقوقه، تكون بإعادة تعريف المصالح الوطنية وسط إقليم تعمه الفوضى والحروب الأهلية والطائفية، وتفتقد كياناته سيادتها عبر أشكال متعددة من الاحتلال المقنع. وذلك بالاندماج الإيجابي والمرن مع سياسات النظام العالمي بنسخته الأميركية المعدلة. لذلك، كانت دوائر صناعة القرار الأردنية أكثر إيجابية في التعاطي مع السياسات الدولية الجديدة في المنطقة. وحاولت المقاربة الأردنية أن تظهر في أحيان كثيرة بمظهر الشريك، أكثر من مظهر الفاعل السلبي المتلقي للإملاءات والأوامر. يبرز ذلك واضحا في التعاطي مع ملف الإرهاب في العراق والتنسيق الأمني عالي المستوى مع الحلفاء الغربيين؛ ثم على صعيد ملف الأزمة السورية، وكيف تحول الأردن إلى بيت خبرة، تحديدا في البعد الأمني للأزمة. كما استطاع أن يدير شؤونه الداخلية بمرونة عالية، وأن يعبر المرحلة الحرجة من الربيع العربي من دون دماء.
هذا الأداء المرن والتكيف الإيجابي يجمع بين نظام سياسي اكتسب ملمح المؤسسية التحديثية، وبلد محافظ ورأي عام معاد للولايات المتحدة، واستقرار حذر في بيت مفتوح على جيران بيوتهم مملوءة بالاضطرابات والحرائق.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الأردن كان من أكثر الأطراف الإقليمية استفادة من الظروف الجديدة، على الرغم من حجم التحديات والخسائر في حسابات الحلفاء والأدوار.
الاتجاه الثاني؛ يرى أن الأردن اندمج بشكل سلبي في السياسات الدولية الجديدة، واستمر في دوره التقليدي بتنفيذ الإملاءات الأميركية، ودخل في مواجهة مع الإرهاب ليست له، بل جلبت تلك السياسات الإرهاب إليه. والاندماج السلبي، حسب هذا المنظور، أضفى على التفاعلات السياسية الأردنية في المحيط الإقليمي المزيد من الريبة والتشكيك.
أما الاتجاه الثالث؛ فيذهب إلى أن الأردن تفاجأ بحجم التداعيات وسرعة التفاعلات التي جلبتها سياسات ما بعد ثورات وأزمات الربيع العربي، وتعامل مع الأحداث بإرباك وقلق، صاحب ذلك تراجع في المكانة والدور في بيئة جديدة، ولم يبدأ التعافي التدريجي من هذه الحالة إلا منذ وقت قريب. وتدلل هذه الرؤية على صحة ما ذهبت إليه بالارتباك الرسمي في التعامل مع العديد من الملفات، أهمها أزمات الطاقة والنفط، وتداعيات أزمة اللجوء السوري.
على أي حال، أثبت الأردن قدرة عالية على التكيف الإيجابي في مواجهة التحديات ومصادر التهديد. لكنه لم يستطع تطوير مطالب استراتيجية من المحيط الإقليمي ومن المجتمع الدولي، لن تتاح فرصة ملائمة لها أكثر من هذه البيئة الدولية المتحولة.

[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock