اقتصادالسلايدر الرئيسيتحليل إقتصادي

الأردن بين الدول الأضعف دوليا في استيراد السيارات المستعملة: فما الحل؟

محمد الزرو

عمان-اثار تقرير أممي لوكالة حماية البيئة الدولية حول “الآثار البيئية لتصدير المركبات المستعملة إلى العالم النامي” الذي نشر مؤخرا، بعضا من النقاش في الأوساط المتابعة لسوق السيارات والمركبات الأردنية، حيث تحدث التقرير عن السياسات المتعلقة بتنظيم استيراد السيارات المستعملة في الاردن، ووصفها ب”الضعيفة للغاية”، وانتقد التقرير “عدم وجود معايير محددة للانبعاثات الناجمة عن مركبات التنقل الخفيفة ما يسهم في تلوث الهواء، ويعوق جهود التخفيف من آثار تغير المناخ”، وأوضح التقرير أن “الأردن احتل المرتبة الخامسة بنسبة استيراد المركبات المستعملة من الولايات المتحدة الاميركية العام 2018، من بين 146 دولة استهدفها التحليل المتعمق الذي أجراه البرنامج.
ومن جهة أخرى، ذهب التقرير الى أن الأردن “يعتبر من بين أفضل عشرة أسواق لصادرات سيارات الركاب المستعملة من أميركا، حيث بلغت قيمتها السوقية حوالي 447 مليون دولار أميركي، ليحتل المرتبة الثالثة”. وفي الحقيقة هذا المركز المتقدم في ترتيب الدول المستوردة للسيارات المستعملة من السوق الأميركية له أسبابه.
تقليديا، تشكل السيارات المستعملة جل السيارات المستوردة والمسجلة حديثا في السوق الأردنية، فبين كل عشر سيارات مستوردة حديثا يوجد سبعة سيارات مستعملة، وهي نسبة عالية للغاية مقارنة مع الأسواق المجاورة، وتعكس اتجاها من المستورد التاجر والمشتري المواطن نحو السيارات الأرخص ثمنا بشكل عام، وتلك التي تستفيد بشكل أكبر من القوانين الجمركية وبالتالي تدفع رسوما وضرائب أقل من غيرها، ومنها السيارات الهجينة والكهربائية، التي تتوفر بشكل أكبر في السوق الأميركية، وتستفيد من رسوم جمركية أقل بفضل سياسات حكومية متعلقة بالبيئة.
وكذلك تستفيد سيارات الشاحنات الاميركية الصنع المستوردة من السوق الأميركية، من اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن والولايات المتحدة التي تعفيها من الرسوم الجمركية.
وقد اتجهت حركة الاستيراد للسيارات المزودة بتقنيات الهجين “هايبرد” أو الكهربائية من سوق الولايات المتحدة وبدرجة أقل من السوق الكورية والأوروبية، التي تستفيد من دفع رسوم جمركية أقل من تلك المزودة بمحركات الوقود التقليدية، وقد سبق ان تمتعت هذه السيارات الهجينة والكهربائية بإعفاء كامل من الرسوم سابقا، الذي تراجعت حكومات سابقة عنه وعادت وفرضت رسوما جمركية جديدة.
حماية البيئة من تلوث السيارات: النيات الحسنة والاعفاءات لا تكفي
أما انتقاد التقرير لعدم وجود معايير محددة للانبعاثات الناجمة عن مركبات التنقل الخفيفة ما يسهم في تلوث الهواء، ويعوق جهود التخفيف من آثار تغير المناخ، فهو محق تماما، رغم أن حماية البيئة وتقليل التلوث البيئي كانت الفكرة الأساسية التي انتجت القرارات الحكومية التي منحت مزايا واعفاءات ضريبية للسيارات الهجينة “هايبرد” والكهربائية، ولكن الواقع الحالي بعد ما يقارب الخمسة عشر عاما على البدء باستيراد السيارات الهجينة، يقول ان الاستفادة الكبرى لم تكن لصالح البيئة والصحة العامة، بل كانت تجارية لمستوردي السيارات المستعملة الذين استطاعوا جني أرباح من استيراد سيارات مستعملة نسبة كبيرة منها قديمة ومستهلكة أو متضررة من حوادث ومشطوبة تأمينيا، وستشكل بطاريات وأنظمة هذه السيارات الهجينة والكهربائية التي ستخرج من الخدمة مشكلة كبيرة للبيئة والصحة لكونها نفايات خطرة وشديدة التلويث، وحسب التقرير لا يوجد لدى الأردن، كما العديد من الدول النامية، أي سياسة وطنية واضحة أو آلية فعالة للتعامل مع النفايات الخطرة وعمليات أعادة التدوير.
ضعف سياسات استيراد السيارات المستعملة
في الحقيقة لامس هذا التقرير جزءاً من واقع سوق السيارات الأردنية والسياسات التي تنظمها، رغم أن هناك بعض التقدم والتغيير في الأنظمة والقوانين حدث مؤخرا، ومن الواضح أن الخبراء الذين وضعوا هذا التقرير لم يعلموا عنه، خصوصا فيما يتعلق بالقرار الذي اتخذته الحكومة قبل سنتين بتحديد حد أقصى لعمر السيارة المصرح بإدخالها للسوق بخمس سنوات، وهذا القرار من الجهات الحكومية المختصة جاء لوقف فيضان السيارات المستعملة القديمة التي كانت تدخل للسوق، بسبب الفتح الكامل وغير المقنن للاستيراد، الذي ساد من بداية سنوات الالفين وبقي لأكثر من عقدين، وتسبب بدخول عشرات الالاف من السيارات المشطوبة والمصنفة خردة وغير الصالحة للسير إلى السوق الأردني، التي قدمت خيارا رخيصا للمواطن محدود الدخل لاقتناء سيارة خاصة، وفي المقابل أضرت بالبيئة والسلامة العامة وتسبب بتفاقم مشاكل الازدحام المروري والضغط على البنية التحتية، وهي العوامل التي أدت لتصنيف الأردن ضمن الدول “الضعيفة جدا” حسب التقرير.
سنوات الانفتاح الكامل ونشوء السوق الموازي
سنوات الانفتاح الكامل للسوق للسيارات المستعملة بغض النظر عن عمرها وحالتها، نشأ معه طبقة من التجار المستوردين، الذين عملوا أساسا في استيراد وبيع السيارات المستعملة الرخيصة انطلاقا من المنطقة الحرة في الزرقاء، والتي لم يكن من أهداف انشائها الفعلية أن تكون سوق سيارات موازية للسوق المحلية، فهي منطقة حرة تهدف لتنمية الصادرات وإعادة التصدير، ولكن ورغم هذا التناقض في الواقع أصحبت هذه المعارض الصغيرة جسما استثماريا تجاريا وازنا وجماعة ضغط ذات صوت مسموع تدافع عن وجودها وعن مصالحها التجارية البحتة ضد أي تعديل أو تغيير.
ليس من الانصاف انكار الجهد الكبير الذي تبذله الجهات الحكومية مثل دائرة الجمارك العامة وإدارة ترخيص المركبات والسواقين لحماية الوطن والمواطن من مخاطر المركبات المستعملة غير الآمنة، وليس أدل على ذلك قرار الجمارك باشتراط حصول المركبات القادمة من الخارج لتقرير تاريخ المركبة الموثق الذي يثبت صلاحيتها ويبين تصنيفها في بلد المصدر، بناءً على سجلات إدارات الترخيص الحكومية، مثل إدارة ترخيص المركبات الأميركية DMV، فتحدد هذه التقارير الموثوق بها صفة تسجيل السيارة قبل تصديرها مباشرة، مدعمة بالصور، ومنها السليمة وذات التاريخ الخالي من الحوادث CLEAN TITLE، أو الحالات المرفوض إدخالها حكماً مثل المصنفة “خردة” JUNK أو التي تلك التي تعرضت للغرق والحريق، وتبقى فئة ” المنطقة الرمادية” او السيارات المصنفة مشطوبة لغايات التعويض التأميني SALVAGE، التي يسمح حالياً بادخالها شريطة ان تجتاز الفحص الفني، ولكن فعليا تشكل سيارات “السالفج” المشطوبة حصة الأسد في سوق السيارات المستعملة المستوردة وبالذات من السوق الأميركية.
قصة “السالفج”
يبدأ مشوار سيارات السالفج في بلادها، وخصوصا في الولايات المتحدة حيث تعقد مزادات لبيع السيارات المشطوبة تأمينياً وينشط تجار أردنيون في متابعة وشراء الصفقات الرابحة من تلك المزادات، حيث قد يقل سعر السيارة المضروبة والمصنفة SALVAGE عن مثيلتها السليمة والمصنفة CLEAN TITLE بنسب كبيرة قد تصل إلى 50 % مما يشكل فرصا تجارية كبيرة ومربحة للتجار المستوردين، تصل العديد من تلك السيارات المستوردة من المزادات والمصنفة مشطوبة ، وفيها اضرار كبيرة، تجعلها غير صالحة لتجتاز الفحص الفني اللازم للسماح بإدخالها، ثم بيعها في المملكة، ولمعالجة هذا العائق، خلق الطلب على خدمات الإصلاح أدى إلى نشوء مدينة صناعية مصغرة تحوي ورش تصليح ومتاجر لقطع الغيار المستعملة داخل المنطقة الحرة، وتقدم خدمات اصلاح هذه السيارات المضروبة داخل حدود المنطقة الحرة في الزرقاء، وهو فيه نوع من الالتفاف على القانون الذي يمنع صراحة دخول السيارات المضروبة أو المتضررة للبيع في السوق المحلية، فضلا عن التساؤل عن كيفية الرسوم الجمركية غير المحصلة على القطع المستعملة التي تستخدم في عملية إصلاحها.
صحيح أن آلية الفحص الفني التي تمر بها السيارات المستوردة المشطوبة والمضروبة والتي تم إصلاحها محلياً تعتمد على الفحص العيني والفني المبسط، وهو لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعطي صورة كاملة عن الحالة الفنية التفصيلية للمركبة، والذي يتطلب فحصا بأجهزة وكوادر لا تتوفر إلا في مركز الخدمة التابعة للوكلاء أو لمراكز الفحص الكبيرة والمتقدمة في العاصمة، وهو للأسف غير ممكن أو متوفر في الواقع الحالي لمركز الفحص الفني في المنطقة الحرة في الزرقاء، وأكبر دليل على ذلك العيوب الكبيرة في تلك السيارات التي تكتشف لاحقا بعد دخولها بيعها في السوق المحلية، وللأسف بعد فوات الأوان حيث تتسبب لأعطال وتكلفة كبيرة على المواطن الذي اشتراها، وقد تتسبب في حوادث خطيرة ومميتة في بعض الأحيان، مثل حوادث الاحتراق جراء التماس الكهربائي التي تكررت أكثر من مرة في الآونة الأخيرة.
تلك العيوب الخفية التي لم تعالجها عمليات الإصلاح البدائية في ورش المنطقة الحرة، والتي يراد منها فقط تغطية العيوب واجتياز الفحص الفني بأقل تكلفة ممكنة وبالحد الأدنى من تبديل القطع، فعلى سبيل المثال تخلو العديد من سيارات “السالفج” الداخلة فعلا للسوق المحلية من أكياس الحماية الهوائية، التي تكون قد فتحت جراء الحادث الذي تسبب في شطب السيارة في بلادها، وتمت ازالتها دون تبديلها خلال عملية الإصلاح المحلية، نفس الطريقة تنطبق على القطع الالكترونية والكهربائية المتقدمة في السيارات الهايبرد أو الكهربائية والتي يتعذر فحصها من خلال آلية الفحص الحالية في مركز الفحص الفني في المنطقة الحرة.
كيف ننتقل من “ضعيف جدا”
إلى المستوى المأمول ؟
اذا اردنا الانتقال من وضع سوق السيارات المستعملة وآثاره البيئية من الوضع “الضعيف جداً” فلا بد من عملية مراجعة شاملة للتشريعات والقوانين والأنظمة والآليات التي تتحكم به، وهذا أمر ممكن ويمكن النظر لما قامت به دول الجوار في هذا الصدد كمثال يحتذى به، ولكن في البداية لا بد من المطالبة وفورا بقرار حكومي حازم بتشديد فوري وعاجل لإجراءات الفحص الفني وتعزيزه بالأجهزة المتقدمة اللازمة وبالكوادر الهندسية والفني القادرة على استخدامها للتأكد من الصلاحية والسلامة الفنية للسيارات المصنفة “سالفج” التي تستورد لسوقنا، أو اتخاذ قرار جريء بالمنع الكامل لدخول أي سيارة مشطوبة مهما كانت حالتها من باب درء المخاطر عن المجتمع من أساسها.
واذا اردنا مواكبة السياسات الدولية في حماية البيئة ومكافحة التحول المناخي، حسب التزامات الحكومية الدولية، فلابد من إعادة التفكير في سياسات تشجيع المواطنين على اختيار السيارات الأقل استهلاكاً للوقود وبالتالي الأقل تلويثاً للبيئة، من خلال وضع سياسة واضحة وعادلة لا تحصر المزايا المالية والضريبية على فئة من السيارات أو على تقنية معينة، بل تعطيها حسب مسطرة واحدة تربط الإعفاءات أو التخفيضات بمستوى الانبعاثات التي تصدرها السيارة أو المركبة بغض النظر عن نوعية الوقود أو تقنية المحرك، ولا بأس من وضع خاص للسيارات الكهربائية بالكامل نظرا لخصوصيتها وارتفاع كلفتها.
الحاكمية الرشيدة والإدارة الحصيفة لملف سوق السيارات عموما، تعاني شيئا من الضعف، لتعدد الجهات التي تحكم بجزئياته، وعدم وجود جهة تنسيقية واحدة تكون مسؤولة ومنظمة ومخططة لهذا القطاع المهم والمؤثر على الاقتصاد والبيئة والصحة العامة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock