أفكار ومواقف

الأردن صوت العقل في المنطقة

تراجعت قدرات انظمة الحكم في اقليم الشرق الاوسط في تعزيز منظومة دولية اقليمية تعمل لمصالح شعوبها، رغم كل المحاولات التي تبذل، لتعظيم قواسم مشتركة لمصالح الشعوب، وتعزيز فرص بناء مستقبل آمن للأجيال الناشئة، في ظل ووسط تحديات دولية ناهضة ومتطورة تكنولوجيا بشكل مذهل لبناء مستقبل الدول والأجيال في مجالات التعليم والصحة والصناعة والثقافة والديمقراطية وغيرها من المجالات الحياتية المختلفة.
ان الفجوة الكبيرة المتمثلة بتباعد العلاقة بين شعوب المنطقة وشعوب العالم، ثم بين انظمة الحكم والشعوب في العالم العربي أدت إلى فجوات اجتماعية وسياسية وحياتية في بعض مجتمعات هذه الدول، ووصلت بمؤسساتها إلى حالة “الدولة الفاشلة”، وهو على ما يبدو مسلسل مستمر لم ينته بعد في دول الاقليم خاصة بعد الذي جرى وما يزال في الجزائر والسودان وليبيا، ويسير كتدحرج كرة الثلج، ما يعطي استنتاجات بأنه ان لم يكن عاجلا فسيكون في المدى المتوسط اختلالات كبيرة في منظومة هذه الدول ومكوناتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ان التطورات الانسانية والبشرية الهائلة والمتمثلة بالثورات الصناعية والتكنولوجية إلى الثورة الصناعية الرابعة بتطوراتها في العقد القادم، لم تجد في دولنا حواضن قائمة على المؤسسات المتطورة التي تبنى على الانجازات التي تحققت، وتخلق اجيالا قادرة على اكتساب واستخدام هذه التطورات، وان ذلك سيكون له انعكاس سلبي باتجاهين، أولهما صدمات حضارية للأجيال غير المعدة إعدادا جيدا للتحضر، وثانيهما فوضى وصدامات بين الأجيال في الدولة الواحدة، على شكل ثورات سلمية ومظاهرات تفرض نفسها بسقوف ومطالب عالية لتغيير الاوضاع القائمة، وعلى رأس ذلك المطالبة بإزاحة الظلم السياسي الواقع على بعض الشعوب، وأهمها الشعب الفلسطيني، دون الالتفات إلى خطوط حمراء أو زرقاء أو قيادات ومسؤولين وشيوخ كبار القوم الذين كانوا قد لعبوا في أزمات سابقة أدورا مهمة كمفاتيح اجتماعية لتحسين العلاقات بين الاجيال وطبقات الحكم والشعوب في العالم العربي.
إن جميع الدول العربية والقيادات فيها اصبحت اليوم في هذا الانفتاح الاصلاحي الذي يميل المشهد فيه عن الديمقراطية إلى شبه فوضى مشروعة في الحركات السياسية، واصبحت هذه القيادات هي المستهدفة، وترسخت قناعات الأجيال بأن صناعة التغيير الحقيقي تبدأ من الرجل الاول في الدولة العربية، وليس من عند غيره مهما تعددت المسميات والمواقع، وبالتالي اصبح الرجل الاول هو المطالب بصناعة التغيير امام الشعوب وليس رجاله ومعاونوه.
هذه الحال التي تميل إلى الفوضوية الشعبية ذات المطالبات الإصلاحية والشرعية، اصبحت اقرب إلى الخطوات قبل الاخيرة التي قد تقود إلى دول فاشلة، ستنقل عدواها إلى من سواها من جوارها واقليمها، خاصة وان المنطقة العربية ودول الاقليم المحيطة بها تشكل وحدة اقليمية حضارية وثقافية ودينية واجتماعية شبه متوافقة، وبالتالي فإن الخطر الذي يقع في دولة من دول الاقليم سيكون سريع الانتشار والعدوى لبقية دول الاقليم الأخرى.
لقد بات الأردن اليوم صوت العقل الوحيد في المنطقة الذي يركز في سياساته الاقليمية على قواسم مشتركة من المصالح لهذه الشعوب ومستقبلها، وتجنيبها كل العوامل التي ربما ستنزلق بسببها المنطقة إلى صدامات لا تحمد عقباها، وأول هذه العوامل هو صناعة سلام حقيقي لقضية الشعب الفلسطيني، وثانيها مواجهة التطرف والإرهاب، وثالثها عدم تدخل بعض الدول بشؤون الدول الأخرى، ورابعها خلق حالات من التعاون الذي يجب ان يركز على التكامل الاقتصادي وخلق تنمية شاملة في الاقليم، لتجنيبه المخاطر الإنسانية التي تهدد أجيال وشعوب دول الاقليم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock