تحليل إخباري

الأردن ما بعد الكورونا: فُرص وتحديات

الأستاذ الدكتور أحمد التميمي

الجامعة الأردنية

كيف سيطر الأردن على الجائحة بطريقة مُفاجئة شهدَّ لها القاصي والداني؟

لقد كان لتفشي فيروس كورونا المُستجد (كوفيد- 19) الكثير من التحديات التي جَثمت على صدر الدول في مُختلف أنحاء العالم، وقد تباينت أنماط استجابة تلك الدول وكذلك مُستويات النجاح الذي حققته في مُواجهة الفيروس، فيما مَثّل الأردن نموذجاً ناجحاً عبر ما قام به من جهود منذُ بَدء هذه الجائحة؛ حيثُ وضع سياساتٍ واضحة وإجراءاتٍ صارمة من خلال خليّه إدارة الأزمات التي أبلت بلاءً حسناً وبكُلّ نجاعة، وعملت بديناميكية وفاعلية، ما مكّنها من إدارة الأزمة بكفاءة واقتدار عبر اتخاذ القرارات اللازمة بشكل عاجل ودون إبطاء مع ضمان التنفيذ السريع لها، عبر تفعيل قانون الدفاع وقد كان ذلك كله بقياده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم ومُتابعتة اليومية لكُل صغيرةٍ و كبيرة بمرأى من الجميع خلال مراحل تطوّر الأزمة، كما شهد الأردن الكثير من الأمور الصعبة والتحديات في البدايه أثناء التعامل مع جائحة لايُعرفُ عنها إلا القليل ولا توجد حولها خبرة عالمية في التعامل معها باستثناء الخبرة الصينية في حينها حيث المكان الذي بدأت منه الجائحة وحصدت أرواح آلاف الصينين والبشرية في العالم لاحقاً.

وقد استطاع الأردن وفي سياسة واضحة وشفافة وصلت الى كُل المواطنين التعامل مع الأزمه بشكل نموذجي بالقياس مع الكثير من دول العالم، وتمثل ذلك بالعديد من الخطوات فقد استقبل العائدين الى أرض الوطن من كافه انحاء العالم وتعامل معهم بطريقه غير مألوفه بين الدول مُطبّقاً الحجر الصحي عليهم لمدة أسبوعين في فنادق الخمسة نجوم وتحت رعاية صحية مُستمره واضعاً كافة التسهيلات لتأمين تواصلهم مع ذويهم، ولم يفرّق بين الأردنيين أو ضيوف الأردن على عكس الكثير من الدول في العالم المُتقدم التي قامت بترحيل المصابين وغيرهم الى بلدانهم، فيما خَتمَ الحجر الصحي على هذه الفئة من خلال تأمين توصيلهم لمنازلهم، لا بل وتقديم مَعانٍ عميقه توّجت وداعهُم عبر تقديم باقات الزهور لهم في لفتةٍ إنسانية عظيمة وقد كانت جميع تلك الإجراءات على نفقة الدوله الأردنيه.

من جانبٍ آخر فقد أثبتت الكوادر الطبّيه الأردنية في القطاع الصحي الأردني في هذه الأزمة مُستوىً عالٍ من المهنية ومؤشرات الأداء العالية فكانت حمى الوطن وسياجه وهي تُمثِلُ خط الدفاع الأول والمحوري.

كما برزت جهود كافه المؤسسات الحكومية والقيادة الميدانية لرئيس الحكومة الدكتور عمر الرزاز وفريقه الميداني وكذلك المؤسسات الأمنية بمُختلف تخصصاتها فالأردنيون يقدرّون هذه المؤسسات ويحترمونها ويجلّونها لا بل يتلهفون للُقياها مُطمئنين لوجودها في الشارع الأردني، مُدركين حرصها على حياتهم ومُستشعرين تعامُلها بمهنية عالية فهي القدوة في المنطقة وفي الكثير من دول العالم فقد جذّرت القوات المُسلحة الأردنية والجهات الأمنية صوره ذهنيةً فريدةً في التعامل مع الأرنيين فكانت مَصدر فخرهم واعتزازهم على الدوام.

ونتيجه لكُلِ تلك الجهود والهِمم العالية فقد اقتربنا بشكل كبير من شاطئ الأمان حيث أصبح الأردنُ لا يُسجِّلُ إلا عدداً قليلاً من الحالات اليوميةً في بعض الأيام وبعض الحالات في أيام أخرى على الرغم من تصاعُدها في دول الجِوار ودول العالم التي تُسجلُ المئات والألوف يومياً.

إن حصيلة كُل ذلك ونتاجاته لم تاتِ بمحض الصُدفة وإنما كانت حصيلة جُهدٍ تراكُميّ من تكوين الموارد البشرية الأردنية على مدار عقود والتي نصدّرُ منها للعالم أجمع فهي رهانُنا الحقيقي والذي كان دائماً محط اهتمام ورعاية القياده الهاشمية منذُ نشأة الدولة الأردنية وتركيزها الدائم على التعليم وتكوين الموارد البشرية وتأهيلها، فقد احتضنت القيادة الحكيمة هذه الفلسفة وغذّتها، وها نحنُ نحصدُ اليوم ما تم استثماره في الإنسان الأردني خلال العقود السابقة.

وفي ظل هذه التجربة فقد صرّح جلاله الملك منذُ فترة قريبة عن عرض المُساعدة على بعض الدول الصديقة والشقيقة لمُشاركتها الخبرة الأردنية الناجحة في دفعِ فاجعة القرن كورونا.

ما الدروس المُستفادة من الجائحة على مستوى الوطن والعالم؟

لقد أدت هذه الجائحة التي تُصنّف من أعتى الأزمات الى اكتشاف العالم الذي نعيش فيه من جديد على كافه المستويات:

على المُستوى الوطني:

– إن القيادة الهاشمية والشعب الأردني يعملان في قاربٍ واحد لمصلحة المواطن والوطن والأمر الذي زاد وعمّقً من اعتزاز الأردنيين بقيادتهم وحكومتهم.

– لقد تعززت الثقة بين عامة الشعب الأردني والحكومة التي اتسمت قراراتها في هذه الأزمة بالشفافية والمهنية العالية حيثُ كانت الثقة قد تراجعت الى حدٍ كبير في السابق الا من استثناءات محددودة.

– على مستوى الوطن لقد تبيّن بأن القيادة والشعب الأردني قادريَن على تجاوز أشدّ المصائب، وأن الشعب الأردني هو شعبٌ مُبدعٌ وواعٍ عند الشدائد يعملُ يداً واحدة لوطن واحد لكافه الأردنيين، ولا مجال للحديث بدءاً من هذه الازمة عن جهوية أو فئوية حيث كانت بعض الأطراف تستثمرُ مثل هذه الثغرات بين حينٍ وآخر لأجنداتٍ ومآرب شخصية مُستغلّةً براءةً المواطن الأردني وبساطته، إلا أن الأردني قد قال كلمته في هذه الازمة مُثبتاً للجميع بأنه فوق كل هذه النعرات المنبوذة.

– أثبتت الأزمة بأن الموارد البشرية الأردنية في كافه الحُقول تتمتعُ بأعلى مُستويات الحكمة في التعامل مع مُعطيات وتداعيات الأزمة ومع أي أزماتٍ أخرى قد تحدُث لا قدّر الله.

– إن الصناعات الأردنية ديناميكية وقادرة على التأقلُم والإنتاج وفقَ مُتطلبات السوق المحلي والعالمي وبشكل حِرفي، وفتح أفق جديد للصناعيين في الأردن على ضوء هذه الخبرة.

– إن الزراعة الأردنية قادرة على تلبية احتياجات الوطن الأساسية وتصدير الفائض فقد ظهرت قُدرة الأردن الزراعية مما أثبت كفاءة القطاع الزراعي وفعاليته في تصنيع المُنتجات الزراعية وقت الأزمة.

– لقد تعامل القطاع الخاص الأردني بكُل تعاون مع الحكومة وبحس الشراكة والمهنية العالية حيث كانت قاعدته مصلحة الوطن والمواطن.

– تحديات التعليم المدرسي والتعليم العالي واستعمال التكنولوجيا الحديثة في وقت قصير ومُميز واستمرار العملية التعليمية بنسبة رضى عالية حيث أثبتت مواردنا البشرية التعليمية قُدرةً عالية في التأقلم السريع في التعا مل مع التكنولوجيا والوسائل التعليمية، وهذا إن دلّ على شئ فهو مستوى وأهلية معلمي المدارس و أعضاء الهيئات التدريسية وأداء الجامعات خلال هذه الظروف الاستثنائيه، حيثُ ستفتح هذه التجربة أفقاً جديداً في مجال التعليم الالكتروني والتكنولوجي من حيث حداثته ومواكبته للمُستجدات بما ينعكس إيجابياً على مُخرجاته.

على المُستوى العالمي:

– لقد أصبح العالم جِسماً واحداً في عصرنا الحالي فقد استطاع التهابٌ فيروسيٌ في الصين أن يصل الى كافه قارات الكرة الأرضية خلال أقل من ستين يوماً وهُنا يثبُت بأنه لا توجد مسافات جغرافية في وسائل النقل الحديثة.

– إن الحرب البيولوجية ربما تكونُ فتاكةً وتقتُل بهدوءٍ وأن عدواً غير مرئي يمكن له أن يقضي على ملايين البشر بهدوءٍ وصمت فلا تمييز بين شخص وآخر بغض النظر عن خصوصيته الاجتماعية أو المالية أو الثقافية أو العرقية.

– إن الدول العُظمى في المفهوم التقليدي الاقتصادي والعسكري أصبحت دولاً هشةً أمام هذه الجائحة فالدلالة على ذلك هي انتشار هذا الوباء بشكل مُتسارع في هذه الدول وفي مَظهرٍ فاجئ الجميع بمن فيهم شعوب هذه الدول.

-إن إداره هذه الأزمه وتفاوت وسائل التعامل معها وتأثير الأفكار السياسية على بعض القاده في العالم وعدم أخذها على محمل الجد قد أدى إلى انتشارها بشكلٍ مُتسارع مما أسفرعن إزهاق الآلاف من الأرواح وإصابة الملايين من البشر.

– إن تصنيع بعض المواد الاستراتيجية التكنولوجية والصحية والمواد الغذائية وحتى الملابس أصبح في أيدي دولٍ قليلة في العالم وأنه في حالة الأزمات يُمكن أن تتحكم في مُنتجاتها لمصالحها السياسية وقد كان خلف هذه السياسات المصالح الاقتصاديه لقلةٍ من الأفراد والشركات التي تسعى للربح فقط بغض النظر عن أي تبعات أخرى، اذ كشفت الأزمة نماذج من الأنانية تجلّت من خلال الكثير من الدول المُتقدمة التي كانت ترتبط ُ باتفاقيات اقتصادية وسياسية مع بعضها فيما باتت تلك الدول لا تُفكرُ الا بمصالحها الوطنية البحتة، وهذا بدوره كَشف هشاشة هذه الاتفاقيات التعاونية ما بين هذه الدول.

– إن هنالك دولاً قليلة نجحت في احتواء الوباء ومنها الأردن بكُل فخر ودول أخرى مثل كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة الى حدٍ ما ونيوزلندا و دول أخرى حدّت من نسب وفياتها مثل المانيا وغيرها.

وماذا عن مرحلة ما بعد الكورونا؟

والآن وبعد انحسار العاصفة في العالم ولو بشكلٍ جزئي، وقد باتت في رمقها الأخير في الأردن ما الذي يجب القيام به؟ هُنالك إجماع من الخُبراء في العالم أن عالم ما بعد الكورونا سوف يكون مُختلفاً عما سبقه و لن نستطيع أن نعود بالعجلة الى الخلف إطلاقاً من هُنا فالحكوماتُ مُطالبةُ في هذه الآونة أن تُقدّم خططاً لما بعد الفايروس وبرؤية استباقية واستشرافية.

إنني على يقين أن الدولة الأردنيه قادرة على مواجهة هذه التحديات وتحويلها لدروس نستفيد منها وأن نجعلها نقطة انطلاق لأردن أفضل، أردن القرن الحادي والعشرين بكل مقوماته، فذلك مُمكن من خلال مواجهة هذا التحدي بايجابية على مُختلف المحاور ففي مجال استعمال التكنولوجيا الحديثه : محور التعليم بكافه أشكاله المدرسي والتقني والجامعي، أما المحور الصناعي فبناء على المُعطيات الجديدة التي كشفتها أزمة الكورونا في العالم يجب الاستفاده من الفجوات التي تم اكتشافها لتعزيز صناعي خارج عن الأطر التقليدية مبني على الصناعة التكنولوجية وحسب مُتطلبات السوق المحلي والعالمي للمرحلة القادمة، وتجاوُز عُقدة اننا لسنا قادرين أو أن ذلك حِكرٌ على الدول المُتقدمه؟ وقد ثبت ذلك في منظومة الصناعات الدوائية الناجحة في الأردن، أما في محورالزراعة وتطوير وتصنيع المُنتجات الزراعية، أو ربما ضرورة إعاده النظر في القطاع الزراعي وحمايه الأراضي الزراعية بشكل فعّال وإعادة النظر في زراعة الحبوب وغيرها كمواد استراتيجية، وذلك باستخدام التكنولوجيا الحديثة ووسائل التسويق المُتقدمة.

وفيما يخُص محور السياحة ومحورالتجارة والنقل العام والخاص وغيرها فهي بحاجة أيضاً الى رؤى جديدة للمرحلة المُقبلة، كذلك من الجدير أن يتم تطوير الثقافة المُجتمعية التوعوية بما يخُص العادات والتقاليد التي قد تُشكّلُ خطراً على صحة المواطن الأردني.

إن هذه الكفاءات متوفرة لدينا في الأردن ويتم استثمارها حالياً من قبل العديد من الدول الشقيقة والصديقة وهذه هي الفترة المُناسبة لجعل الخبراء والمُختصين ينخرطون في رسم خارطه طريق للأردن ما بعد الكورونا، فلا يوجد وقت للترف الآن، فجهود هذه الخبرات هي الساعد القوي الذي ستستعين به الحكومة لمواجهة المرحلة القادمة.

ولا يسعُنا في الختام إلا أن نقدم الشُكر للحكومة وطاقمها على الأداء المُتميز الذي قاموا و يقومون به خلال هذه الأزمة فقد تطلبت منُهم تسخير كافه طاقاتهم في هذا المجال، ومن الأجدى ابتداءً من هذه اللحظة الاستفاده من خُبراء الوطن وكوادره للسير بالتوازي مع عمل الحكومة لتتمكن من القضاء النهائي على هذا الوباء على المستوى الوطني وعودة عجله الإنتاج والعطاء الى عملها بمواصفاتٍ ورؤية جيدة يتم فيها مُواجة تحديات الأزمة وتحويلها الى نقطة تحوّل إيجابي لمُستقبل الأردن الجديد ما بعد الجائحة.

دامَ الأردنُ آمناُ مُعافى .. وحفظ الله قيادتنا الهاشمية الحكيمة، وحمى الله الأردن وطناً وشعباً و قيادةً نفاخر بها الدُنيا.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock