أفكار ومواقف

الأردن والواقع الجيوسياسي الجديد!

انتهت “اللحظة الأميركية” في الشرق الأوسط أو لنقل شارفت على الانتهاء، فهيمنة واشنطن الكاملة على الإقليم التي سادت بعد انتهاء الحرب الباردة لم تعد قائمة، فتراجع تأثير واشنطن في المنطقة وبروز لاعبين آخرين لهم القدرة على نسج تحالفات جديدة تجعل من قدرة واشنطن على فرض رؤاها على الإقليم مسألة في غاية الصعوبة.
هنا لا نتحدث عن تراجع قوة الولايات المتحدة، فهي ما تزال الأقوى في المنطقة وفي العالم، فلها أكبر تواجد عسكري وإمكاناتها لا يمكن مجاراتها من قبل أي قوة أخرى، لكن هناك اعتباران يؤثران على استعداد واشنطن لتوظيف هذه القوة والتأثير على الآخرين. أولا، تراجع التأييد الشعبي في أميركا لأي عملية عسكرية في المنطقة، وثانيا، هناك انطباع في أميركا بأنها لم تعد تعتمد على نفط الشرق الأوسط وبالتالي لم تعد المنطقة بذات الأهمية. فضلا عن ذلك، يرى الاستراتيجيون الأميركيون أن هناك حاجة للتركيز على منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي وهذا يستلزم الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط.
وبدا لافتا كيف استثمرت دول أخرى هذا التراجع الطوعي للولايات المتحدة، والآن يمكن الحديث عن خمس دول أخرى أصبحت حاضرة بقوة في المنطقة: روسيا، إيران، تركيا، إسرائيل، السعودية. طبعا لا يمكن الحديث عن دور للصين أو حتى الدول الأوروبية. لهذه الدول مصالح متضاربة، فهناك السعودية وإيران ولعبة التوازن وحروب الوكالة، أما إسرائيل فتسعى بشكل مثابر لتحجيم النفوذ الإيراني والتنصل من استحقاقات السلام مع الفلسطينيين لذلك تلجأ لإدارة النزاع بدلا من حله، وهي تشترك مع السعودية في التصدي لإيران غير أن الرأي العام العربي والسعودي يضع حدا لمثل هذا التقارب بين السعودية وإسرائيل. كما أن تركيا تتبع سياسة خارجية قومية-إسلامية ما وضعها في تصادم مع السعودية وتقارب مع قطر. في حين أن روسيا دخلت الشرق الأوسط للبحث عن النفوذ والتأثير على حساب خصمها الأميركي.
بالمقابل، ما يزال النظام العربي هشا وممزقا وتنافسيا ومخترقا. فهناك انقسام خليجي أضعف من منظومة مجلس التعاون الخليجي الذي بات حبرا على ورق. ودخلت كل من تركيا وإيران لمنطقة الخليج، فتركيا تتحالف مع قطر المحاصرة من تحالف سعودي-إماراتي، وإيران دخلت اليمن من بوابة الحرب الطاحنة فيه. والأدهى أن الولايات المتحدة تدير النزاع الخليجي ولا تساهم في حله.
هناك انطباع قوي لدى غالبية الدول بأن الولايات المتحدة لن تبقى في المنطقة بالشكل والتأثير السابقين، لذلك تتشكل تحالفات جديدة أهمها ربما التحالف الاستراتيجي في الشرق الاوسط الذي سيضم دولا عربية بغية التصدي “للخطر” الإيراني. وإيران لن تقف مكتوفة الأيدي بل ستقوم بتعزيز تحالفها الاستراتيجي مع لاعبين أقل من دولة مثل حزب الله وربما تتمكن من ابعاد تركيا عن التحالف وستخوض منافسة قوية مع الولايات المتحدة حول من يربح العراق في نهاية المطاف.
نحن أمام واقع جيوسياسي متغير ولنا أن نسأل عن مستقبل الأردن، فالمساعدات الأميركية ستصل إلى نهايتها بعد خمس سنوات ولا يوجد أي ضمان لأن تستمر واشنطن بدعم الأردن وبخاصة إذا ما انسحبت أميركا من المنطقة، وربما يفقد الأردن أهم دولة داعمة لاستقراره وهذا أمر يكاد يكون جديدا، فتاريخيا حرص الأردن على التحالف مع قوة عظمى بالإضافة إلى قوة إقليمية، وكان ذلك وما يزال عنصرا أساسيا في معركة البقاء. علينا بالأردن أن نعيد التفكير في دورنا الإقليمي، فهناك دول لم تعد تنظر للأردن بنفس الطريقة السابقة وبعضها بات يزاحم الأردن في بعض الملفات الحيوية بالنسبة لعمان. ناهيك عن تعمق الأزمة الاقتصادية محليا ما يجعل الأردن أكثر اعتمادا على الخارج وبالتالي تحت رحمة التغير في أمزجة ومصالح وتصورات الآخرين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock