أفكار ومواقف

الأردن يفك الحصار عن العراق

بكل معطياتها، يبدو ممكناً تماماً القول إنها لم تكن مجرد مباراة كرة قدم تلك التي جمعت، يوم الجمعة الماضي، منتخب “النشامى” ونظيره العراقي في مدينة البصرة تحديداً. ولعل الأهم هنا هو ذاك الحضور الجماهيري الذي غصت به مدرجات ستاد جذع النخلة.
حتماً جاء أكثر من ستين ألف متفرج عراقي إلى الملعب لمشاهدة منتخبهم الوطني يخوض مباراة دولية على الأرض العراقية، بعد طول حرمان لشعب عاشق للعبة، قدم على مدى عقود بعضاً من أروع المواهب العربية والإقليمية وبمستوى عالمي. في الوقت ذاته، وإزاء الاحتفاء الشعبي خصوصاً –ولو بحضور المباراة ضمن أعلى درجات التنظيم والانضباط- لا يغدو مبالغة القول إن آلاف المشجعين على الأقل، إن لم يكن جميعهم، قد جاؤوا أيضاً احتفالاً بلقاء أشقائهم الأردنيين وهم يكسرون حصاراً عربياً ظالماً على بلاد الرافدين، فرضه أساساً من ادعوا أن الانتصار للقومية العربية يكون بهكذا حصار، على كل المستويات، وترك العراق العربي نهباً لكل من هو غير عربي.
وحتى إن بدا في الأمر مبالغة، فإنه سيظل صحيحاً تماماً أن العراقيين جميعاً، وليس البصريين فقط، لن ينسوا أبداً أن من أعاد إليهم أحد أسباب فرحتهم، ولو لمدة تسعين دقيقة، وسط كل هذه القسوة والبؤس، لم يكن إلا المنتخب الأردني. وأهم من ذلك أنه حضر إلى العراق ليس امتثالاً لقرار اتحاد دولي أو سواه، بل جاءت المبادرة برغبة أردنية خالصة، وبجهد كبير من سمو الأمير علي بن الحسين، لرفع الحظر عن فرحة العراقيين على الأرض العراقية.
هي مباراة قدم طبعاً. لكنها تظل تأكيداً على أن العراقيين يتوقون إلى العودة إلى التواصل مع محيطهم ككل على أساس وطني عراقي، وليس طائفي أبداً. وهو ما يعيد بدوره التأكيد على أن ما يحتاجه العراقيون، أسوة بالشعوب العربية ككل وأبعد منها، هو قيادة بالأمل والسعي إلى الإنجاز، بما يضمن الوحدة الوطنية فعلاً، وليس كما كانت الحال في العهد الماضي: وحدة طائفية قائمة على خوف الجميع من الجميع، انتهت كما نرى إلى تهتك الوحدة الوطنية وتدمير العراق ككل، بحيث لا يستفيد إلا أمراء الحروب.
هي مباراة كرة قدم. لكن في زمن الكوارث الكبرى، فإن ما قد يكون العراق في أمس الحاجة إليه أساساً هو مثل هذه المبادرات غير السياسية بالضرورة. إذ إن المبادرات الرياضية والثقافية هي التي تطغى عليها السمة الإنسانية الجامعة، بغض النظر عن أي انتماءات قومية أو دينية أو طائفية، وهي المبادرات التي تمس أغلبية الشعب العراقي.
بهذا المعنى، يكون الأردن، ممثلاً بمنتخبه الوطني لكرة القدم، لم يشارك فقط في إعلان انهاء الحظر على الملاعب العراقية، بل دشن إنهاء الحصار العربي الإقليمي على العراق ككل. وبدهي أن استكمال هذا الإنجاز يقتضي مزيداً من المبادرات العربية التي تشيع الأمل الجامع عراقياً وعربياً وإقليمياً.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock