أفكار ومواقف

الأردن 2030.. الإصلاح بالتنظيم الاجتماعي والحضري

يبدأ تحدي السيناريو التشاؤمي والواقعي الذي هو ليس أفضل من التشاؤمي للأردن 2030 بمبادرة اجتماعية تقوم على التنظيم والتفعيل الاجتماعي للمواطنين والمدن والبلدات والطبقات والجماعات الاجتماعية، وبمشاركة المجتمعات والمدن في إعادة تنظيم وإدارة الأولويات والاحتياجات، وتحويل المجالس البلدية والمحافظاتية إلى حكم محلي فعلي يملك موارده المستقلة، ويتولى على نحو مباشر مسؤولية مجموعة من الأولويات والخدمات والاحتياجات، فالمجتمعات تشكل شريكا أساسيا للسلطة السياسية في إدارة وتنظيم الخدمات والأولويات والاحتياجات الأساسية والعامة، .. العالم اليوم يتجه نحو “المدينية” بالنظر إلى المدينة هي التنظيم الاجتماعي والسياسي أيضا، وربما تكون طبيعة الحكم والدول في المستقبل القريب فيدراليات مدن.
التنظيم “المديني” تجربة إنسانية اجتماعية اقتصادية عريقة في شرق المتوسط وحوضه بخاصة، وعلى سبل المثال فإن “الديكابوليس” أو المدن العشر هي تحالف عشر ممالك مدينية تشكل العام 64 ق.م لمواجهة التحدي والصعود النبطي (البتراء) والقدرة على الحصول على حصة معقولة في التنافس التجاري، وهي ممالك تقع جميعها في دائرة تبدأ من فيلادلفيا (عمان) جنوبا إلى دمشق شمالا، ومن دايون (ايدون) شرقا إلى بيسان غربا، ويشارك في هذه الدائرة التي لا تتجاوز مساحتها عشرة آلاف كيلو متر مربع إضافة إلى المدن (الممالك) الأربعة السابقة، جراشا وجدارا (أم قيس) وبيلا (طبقة فحل) وآرابيلا (اربد) وابيلا (حرثا وقويلبة) وهيبوس (الحصن)، وكانت كابيتوليا (بيت رأس) مركزا لهذه الممالك وغيرها أيضا، إذ تعنى كابيتوليا العاصمة (capital) وهي في العربية والآرامية مركز “الرأس” أو رئيس الملوك، وما زالت الكلمة بنفس المعنى تستخدم في العربية والاثيوبية والآرامية، فينص الدستور الأردني على أن الملك رأس الدولة.
وعلى نحو عام فإن حضارة شرق المتوسط كانت تقوم على ما يشبه اليوم فيدراليات للمدن التي تكون عادة مركزا لدائرة نصف قطرها بحدود 25 كيلومترا، تتولى إدارة وتنظيم مواردها واحتياجاتها، وتتعاون ونتنافس فيما بينها، وتكون عادة مدينة يلتقي فيها جميع اهل المدن وقادتها للتجارة والتفاوض، وتكون عادة منطقة آمنة لجميع الناس يحرم فيها القتال، ثم تحول هذا السلم إلى طقوس مقدسة ودينية، أورسالم على سبيل المثال كانت مركزا لمدن وممالك الكنعانيين وتقودها عائلة اليبوسيين. الأرستقراطية التي تحظى باحترام جميع الكنعانيين، ومنحت هذا الاسم كما هو واضح باعتبارها مركزا للسلام الذي منح صفة الإله، وفي الإسلام فإن السلام اسم من أسماء الله تعالى، ويشبه اورسالم في المكانة والدور بيت راس في الشمال مركز الآراميين، وباحة العرب (وادي عربة) بجوار البتراء حيث كانت سوقا ومحجا للنبط، وما يزال معبد خربة التنور والحجر الأسود والنقوش العربية والنبطية فيه تؤشر إلى طقوس الحج والتجارة، وكذلك المعبد الكبير أو كعبة البتراء والذي كانت تجري فيه طقوس المياه المقدسة، وتأتيه المياه من عين “البراق” المعروفة حتى اليوم بهذا الاسم.
ويبدو واضحا بالطبع أن الدين كان يؤدي دورا تنظيميا واقتصاديا واجتماعيا باتجاه حماية وتفعيل الموارد والقيم الجامعة لمصالح الناس، وفي القرآن الكريم فإن الحج أيضا مناسبة وفرصة اقتصادية ” ليشهدوا منافع لهم” ذلك أن المجتمعات تحتاج إلى رافعة دينية أو ثقافية تنشئ القيم والعقد الاجتماعي الناظم للحياة على نحو يخفف من الحاجة الى استخدام القوة والسلطة السياسية، وفي ذلك تقلل المدن التكاليف والأعباء وتعيد انفاقها وتوجيهها نحو احتياجات وأسواق تعظم الموارد والازدهار، وما تزال بالطبع منظومة العدل والفضائل الاجتماعية هي الضامن الأساسي لمصالح الناس والثقة الجاذبة للاستثمار والمستثمرين واستقرار الأعمال والمؤسسات، وتقليل الحاجة إلى الانفاق والعمل المؤسسي لتسيير الأمن والعدل.
نملك في الأردن البنية المؤسسية والتنظيمية والاجتماعية والتجربة التاريخية والثقافية لتحويل البلديات والمحافظات إلى بيئة نجاح وإصلاح اقتصادي واجتماعي، وهو ما يجب أن نفكر فيه بكثير من الجدية.. وبعض الخيال إن لم يكن كثيرا!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock