ترجمات

الأرض في قلب السردية القومية الإسرائيلية

مهدي بلمشري روزنتال – (أورينت 21) 26/5/2020

لا يمكن للتاريخ الفلسطيني أن يوجد في نظر الدولة الإسرائيلية. إنه سيعكر صفو السردية القومية الإسرائيلية التي تقوم على خلق استمرارية تاريخية تمتد من عصور التوراة حتى تأسيس دولة إسرائيل. وتسعى السياسة الإسرائيلية جاهدة -باسم هذا الارتباط بالأرض الذي تدعي أنه لها حصريا- إلى تجريد الذاكرة الفلسطينية من عاداتها وثقافتها.

  • * *
    لكل أمة أساطيرها التأسيسية، كما تكتب كل أمة سرديتها القومية التي تصب في صالحها. وبالنسبة للأمة الإسرائيلية، تختزل عبارة صغيرة الجوهر الذي يُبنى عليه هذا المخيال: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. صحيح أنه تم دحض هذا الإثبات لمرات عديدة، لكنه ما يزال يعرّف الاستراتيجية التي تستخدمها الدولة الإسرائيلية لبناء سرديتها القومية والبرهنة على شرعية وجودها على هذه الأرض. وكما قال أرييل شارون سنة 1998: “على الجميع أن يتحرك ويهرول ويستولي على أكبر عدد ممكن من التلال لتتسع رقعة المستوطنات، فكل ما سنأخذه سيبقى لنا”.
    شكل الاحتلال مُسبقا أحد المبادئ التوجيهية لجميع الحكومات التي تتالت على رأس الدولة منذ عقود. فبالنسبة لإسرائيل، لا يُختزل الأمر في السيطرة على مزيد الهكتارات من الأراضي، بل يكمن التحدي في تسجيل حضورها على هذه الأرض على مدى التاريخ الطويل. وتظهر آثار هذه المعركة لفرض نفسها كسيدة هذه الأرض، في الأراضي الفلسطينية المحتلة زفي الجهة المقابلة من الجدار العازل، وما أشبه اليوم بالبارحة!
    لا يمكن اقتلاع شعب وإلغاء وجوده بسهولة. عند تأسيس دولة إسرائيل في العام 1948، أخلى مئات آلاف الفلسطينيين قراهم فرارا من الميليشيات الصهيونية ومن الجيش الإسرائيلي. وكان هذا الجيش أول من استعمل كلمة “نكبة” في منشور هدد به سكان القرى: “إذا كنتم تريدون الإفلات من النكبة، وتجنب كارثة، والنجاة من إبادة لا مفر منها، سلموا أنفسكم”. وبرغم ذلك، فإن تكاد هذه الكلمة تكون محظورة اليوم في المجتمع الإسرائيلي، ولو أن طيفها ما يزال يحلق. فقد تخدش ذكراها الواجهة الإسرائيلية الملساء. وإذا اعترفت إسرائيل بأنها طردت بالعنف 800 ألف فلسطيني، فهذا يعني أنها تعترف بشرعية حق العودة لأحفادهم. وكما يشرح الباحث توماس فسكوفي، فإن فكرة أنه “في زمن تأسيس هذه الدولة، لم يكن المقاتلون ضحايا وإنما كانوا سفاحين ستهدم فكرة ‘نقاء السلاح’ التي يستشهد بها ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي”. ومن هذا المنظور، عملت إسرائيل على مسح الذاكرة الفلسطينية لكي تعيد كتابة تاريخها كما يحلو لها.
    قرية دفنت تحت أشجار الصبّار والصنوبر
    في شمال الناصرة، يأخذني عماد إلى أطلال قرية صفورية، حيث يذهب بانتظام لمرافقة شبان فلسطينيين يعيشون في إسرائيل. وهدفه هو إحياء ذكرى هذه الأماكن حتى لا تمحوها إسرائيل. وقد أكّد بن غوريون على أن “علينا أن نفعل ما بوسعنا لنتأكد أن الفلسطينيين لن يعودوا أبدا. أما كبار السن فسيموتون، وأما الشباب فسينسون”. وهذا هو الهدف الذي تسعى إليه الدولة الإسرائيلية عندما تمحو آثار القرى الفلسطينية. ولذلك يحاول عماد مواجهة هذا المحو لآثار الحياة الفلسطينية. من الصعب خلال التجول في عين المكان أن ترى آثار هذه القرية، لكن عماد يستطيع -بفضل أبحاث مفصلة ووثائق عديدة- أن يروي قصتها.
    أمام حقل صبّار وغابة صنوبر، يشرح لنا عماد أن هذه الأشجار زرعها الإسرائيليون لكي يطمسوا آثار القرية، وهي ممارسة منتشرة في إسرائيل. وغير بعيد على قمة إحدى التلال، نرى قرى إسرائيلية أنشئت هناك -تسيبوري، ها سوليليم، ألون ها غليل هوشا آيا- وكأن الهدف منها هو أن تطوي في ظلها الآثار الفلسطينية.
    وليست قرية صفورية استثناء، ولعبارة أمادو همباطي با التي تقول “في أفريقيا، عندما يموت رجل مسن، فكأنما احترقت مكتبة” صدى خاص في فلسطين. قرية لفتا هي إحدى القرى النادرة التي لم تتعرض للطمس أو الهدم، لكن المكان متدهور للغاية ويحرس يعقوب ذاكرته. خلال زيارتنا لأطلال القرية، يشير يعقوب بحنين واضح إلى الأفران التقليدية، متحدثا عن أمه التي كانت تصنع الخبز فيها. هذه الأرض التي أطعمتهم يهددها اليوم الطريق السريع المجاور والمشاريع العقارية المزدهرة في إطار مشروع احتلال القدس.
    القرى المدمرة تُعد بالمئات على الأراضي الإسرائيلية. وقد رسمت المنظمة غير الحكومية الإسرائيلية “المستعمِر”، De-Colonizer، والتي أسسها عالمان في الأنثروبولوجيا، خريطة تحصي جميع البلدات الفلسطينية التي دمرت منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، وكذلك القرى المهددة بالتدمير.
    ضمن مشروعها لإعادة رسم المشهد، تقوم تقوم إسرائيل كذلك بقطع الأشجار التي تبرز الوجود الفلسطيني التاريخي لتزرع أخرى غيرها. وفي منتزه أيالون-كندا الواقع بين تل أبيب والقدس، تغطي الأشجار أطلال ثلاث قرى فلسطينية، هي يالو وعمواس وبيت نوبا، التي دمرت سنة 1967، فأصبحت مغيبة عن الأنظار. وقد بحثت عالمة الأنثروبولوجيا، كريستين بيرينولي، في الطريقة التي تتّبعها إسرائيل لمحو فلسطين من خلال تغيير المشهد الطبيعي، فتقول: “التشجير، اقتلاع الأشجار، الزراعة واقتلاع الزرع، جميعها نشاطات ناجعة لتغيير المشهد البصري على المدى الطويل، وهي وسائل للاستيلاء على الأماكن وإقرار تفوق قوة ما. كما أن الشجرة هي أفصح رمز لتجذر شعب في أرضه. وهنا تصبح رمزيتها مضاعفة، فهي في الوقت نفسه داعم للذاكرة القومية ودليل على ملكية لأرض متنازع عليها. من جهة، ومن خلال تجسيد النجاح بزرع جذور في ‘الوطن القديم’، يؤكد (الذي يستولي على الأرض) الاستمرارية الرمزية بين الماضي الذي تصفه التوراة وبين الحاضر. ومن جهة أخرى، يتمكن من محو أي أثر للتاريخ الفلسطيني والذي يشك في تحوله إلى تراث قومي عبري”.
    حفريات بهدف أيديولوجي
    تستثمر إسرائيل كذلك في الحفريات الأثرية. وسواء كان ذلك في القدس أو في الخليل أو في سبسطية، تقوم إسرائيل بالحفر والتنقيب في الأرض. وبهدف تقديم نفسها باعتبارها المالكة الشرعية لهذه الأرض، تشرع إسرائيل في حفريات أثرية أو تساندها، بهدف إثبات استمرارية تاريخية بين الماضي الذي تتحدث عنه التوراة وتأسيسها. وقد أكد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، منذ سنوات على أن “إسرائيل لا تحتل أرض آخرين، فعلم الآثار والتاريخ والتفكير السليم تُظهر أن لنا علاقة خاصة بهذه الأرض منذ أكثر من 3000 سنة”. ومنذ بداية احتلال قطاع غزة والضفة الغربية في العام 1967، قامت إسرائيل بعديد الحفريات في الأراضي المحتلة وبشكل غير قانوني تماما.
    وتمكن رؤية هذه الحفريات في القدس العتيقة، وحتى في باقي المدينة. ومحمود هو ذاكرة المدينة، وهو عضو في الطائفة الأفريقية لمدينة القدس، وهي مجموعة صغيرة من المسلمين الذين أصلهم من السنيغال وتشاد والنيجر، والذين يعيشون هناك منذ قرون. وبينما نتجول في شوارع القدس، شرع يتحدث عن الحفريات التي تقوم بها إسرائيل في المدينة العتيقة. ففي 1967 غداة حرب حزيران (يونيو)، يقول محمود أن إسرائيل أسرعت بتدمير “حارة المغاربة” التي كانت تقع قرب حائط المبكى. وكان مئات السكان يقطنون هذا الحي الذي دمرت فيه مبانٍ تعود إلى العصر الأيوبي.
    لا يتخيل الوافد إلى الساحة الواقعة قبالة الحائط اليوم أنها حلت محل حي عربي تم تدميره، وإنما يمكن ملاحظة حفر كبيرة. وقد أجريت حفريات تحت الحرم الشريف، مما قد يجعل أسس المسجد الأقصى وقبة الصخرة أكثر هشاشة. والهدف من هذه الحفريات هو العثور على آثار لمعبد هيرودس لإعلان شرعية سيادة إسرائيل على هذا المكان المقدس. وتطالب عدة أصوات في المجتمع الإسرائيلي بإعادة بناء هذا المعبد، ما يعني هدم المسجدين.
    وفي 2016، تبنت منظمة “اليونيسكو” قرارا ضد السياسة الإسرائيلية في هذا المكان الذي يعتبر إرثا إنسانيا. وفي خارج المدينة العتيقة أيضا، في حي سلوان في القدس الشرقية، تقوم منظمة غير حكومية صهيونية تدعى “إيلاد” بحفريات بهدف العثور على المدينة الأصلية للملك داود. وقد ألحقت الحفر التي نتجت عن الحفريات أضرارا بالعديد من المنازل الفلسطينية في حي يعاني من الاحتلال الإسرائيلي.
    منذ 1967، قامت الحكومة الإسرائيلية ومنظمات غير حكومية بمئات الحفريات في الأراضي المحتلة، في ما يتعارض بشكل تام مع القانون الدولي. ففي سبسطية، مثلا، تتعرض القرية للتهديد من حفريات تسعى إلى إثبات أن هذا المكان هو نفسه أرض السامرة المذكورة في التوراة. ويصعب على سكان القرية مواجهة ذلك بسبب تواجد القوى العسكرية الإسرائيلية. والوضع مشابه في الخليل حول المسجد الإبراهيمي، حيث يقوم المستوطنون بالحفريات لإثبات شرعية وجودهم وفق ما تقوله التوراة، بينما يواصلون طرد الفلسطينيين من ديارهم بالعنف. وهكذا، تُبنى السردية القومية الإسرائيلية بمنطق الجرافات وتسحق أي ذاكرة قد تعكر صفوها.
    عندما يُشبّك المطبخ الفلسطيني مع الأرض
    حتى تثبت تجذرها في هذه المنطقة، لا تتردد إسرائيل كذلك في الاستيلاء على المطبخ الفلسطيني. في مخيم اللاجئين “عين السلطان” قرب أريحا، يدعونا خضر -أحد سكان المخيم- لكي نتقاسم معه طبقا من الحمص وطبقا من الدجاج والأرز والسُمّاق، ويحدثنا عن ثقافة طبخ فلسطينية تتّسم بالـ”المشاركة والود”، وهي ثقافة نستمدها “من حقولنا”. ويظهر الضيق على خضر عندما يتحدث عن المستوطنات المجاورة التي “تسرق أراضينا وماءنا وأشجارنا”. وتقع أريحا على أبواب وادي الأردن الذي تستعد إسرائيل لضمه، وهو المنطقة الأكثر خصوبة في فلسطين حيث استولى المستوطنون الإسرائيليون على 86 % من الأراضي الصالحة للفلاحة ووضعوا عبارة “صنع في إسرائيل” على منتجاتها. ويتواصل الاستيلاء الثقافي حتى على الأطباق والصحون.
    وهكذا، يمكن كثيرا أن تجد في تل أبيب مطاعم تقدم أطباقا فلسطينية تحت عبارة “طعام إسرائيلي”. وقد شكل الاستيلاء على الأطباق الفلسطينية أو أطباق البلدان المجاورة طريقة أخرى تستخدمها إسرائيل لكتابة السردية القومية؛ فالطعام يعني الرابط الفلاحي مع الأرض. وتقول رانيا -وهي طباخة فلسطينية تعيش في فرنسا: “إنها استراتيجية إسرائيلية وقحة للغاية. إنها دعاية كاذبة… والتي نال الجمهور الفرنسي حظه منها”.
    كن الفلسطينيين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هكذا وضع. وقررت رانيا أن تفتح مكانا ثقافيا يدعى “أرضي” في باريس، لتجعل منه “مكانا تلتقي فيه جميع مهاراتنا، سواء كانت في الطبخ أو في المجال الثقافي. وهو مكان لاكتشاف الأطباق الفلسطينية التقليدية واقتناء بهارات فلسطينية أو شامية… كما يُتيح لي هذا المكان فرصة التمتع برابط ملموس مع فلسطين تطوير مشاريع مع النساء هناك. ثمة مصممة غرافيك فلسطينية شابة من رام الله، وبهارات من إنتاج التعاونيات النسائية، كما أننا بصدد إرساء تعاون مع صانعي الخزف”. وهكذا تلتقي النساء المقاومات للدفاع عن جذور الفلسطينيين في هذه الأرض.
    تقوم إسرائيل بفرض إرادتها بالقوة لمحاولة غرس جذور قومية لنفسها على حساب أي ذاكرة أو ثقافة أخرى. وهي تحرث هذه الأرض -التي تضم تراث البشرية والشعب الفلسطيني- لمحو الأصول والحلول محلها. ولكن، أليس بناء دولة وتوحيد أمة على أساس خيال ضيق والتضحية بذاكرة الآخر هو رمز للقومية المثيرة للاشمئزاز، والتي تشكل سببا أصليا للعديد من الصراعات؟

*خريج كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. كتب رسالته حول الفيديو كوسيلة للكفاح في فلسطين.
*النسخة الفرنسية من هذا المقال بعنوان: La terre, racine du roman national israélien

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock