أفكار ومواقف

الأزمة إذ تفرز كفاءات استثنائية

الأزمات هي من يكشف أهمية المسؤولين وكفاءتهم وقدراتهم على تحمل المخاطر والتعامل معها بصبر وتأنٍ وحكمة وبحزم بنفس الوقت؛ وقد كشفت لنا أزمة جائحة كورونا غير المسبوقة في خطورتها والتي استهدفت العالم ووصلت بلدنا وعطلت حياتنا أن لدينا في هذا البلد بعض من لا يليق به ولا يستحق أن يكون في موقع صنع القرار ومن يفضل الاستعراض والشعبوية الفارغة على الفعل المنتج وهم قلة ولكنهم للأسف نتاج آلية بائسة استوطنت زمنا طويلا في بعض مفاصل الإدارة العامة وأضحت جزءاً من الفلكلور السياسي، ولكن المؤكد أن رحيلهم لن يتأخر كثيرا وربما سيكون من الإيجابيات الوحيدة لهذا الوباء اللعين.
بنفس الوقت كشفت الأزمة جوانب مضيئة تستحق الثناء والفخر فبالإضافة لثقتنا بمؤسسات الدولة السيادية؛ ظهرت كفاءات استثنائية في مجالات عديدة وأبرزها الكفاءات الطبية التي شكلت رأس الحربة في معركة مكافحة الفيروس والجبهة الأمامية التي تتحمل الجزء الأكبر من المخاطرة، لجنة الأوبئة، فرق التقصي الوبائي، فرق الفحص المخبري والطوارئ والتمريض والأطباء والخدمات المساندة وعموم الجهاز الطبي العسكري والمدني، وقد أظهروا جميعاً شجاعة وكفاءة تستحق أن ينظر لها ليس فقط بعين التقدير المعنوي وهو مهم وضروري ولكن من الضروري أيضاً أن ينالوا تكريماً مادياً حقيقيا ينعكس على حياتهم ويليق بتضحيتهم وجهدهم الكبير لا أن يحرموا من الحوافز والمكافآت.
المقارنة البسيطة بين وضع الأردن الوبائي الذي يتحسن بسرعة وبإيجابية كبيرة وبين الوضع الصعب نسبياً في المحيط العربي والإقليمي وربما الكارثي لدى بعض دول العالم المتقدم، يجعلنا لا نحتاج للبحث طويلاً ويكشف لنا كمتابعين نتلقى المعلومات من وسائل الإعلام وعبر متابعة الإطلالات المستمرة والمنتظرة للناطق باسم لجنة الأوبئة الإستشارية الأستاذ الدكتور نذير عبيدات والأستاذ الدكتور وائل الهياجنة مسؤول ملف الشمال وبقية أعضاء اللجنة المحترمين وهم جميعاً من الألمعين في مجالهم الطبي أن دورهم كلجنة استشارية كان المحرك الأساسي والناصح الأمين بناءً على خبرة ودراية بعيدة عن العواطف وساهم في تقديم المعلومات الوبائية والطبية بشكل علمي ومنهجي لخلية الأزمة في المركز الوطني لإدارة الأزمات وللحكومة التي استجابت لتلك النصائح مما أدى لتسوية المنحنى الوبائي بحيث أصبح الأردن الأفضل عربياً وربما من العشرة الأفضل عالمياً.
حتى يستمر هذا الإنجاز الكبير وتسير خطة الدولة على أكمل وجه في كبح هذا الوباء والتعامل مع أي مستجدات أو موجات قادمة – لا قدر الله- يجب أن تبقى هذه اللجنة مرجعية أساسية وليس استشارية غير ملزمة فأهل مكة أدرى بشعابها فهم الأقدر على تقدير الموقف وبائياً وهو العنصر الجوهري في تجنب المخاطر.
من المؤكد أن العالم بعد كورونا لن يكون كما قبلها وكذلك الأردن سيكون بعد عبور الأزمة ليس كما كان قبلها، ولعل أول عناوين التغيير القادم أن تستذكر الدولة كل الذين انحازوا لوطنهم ولم يخضعوه لأي حسابات ثانوية وفي المقدمة منهم لجنة الأوبئة فمثلهم يستحق أن يكون عناوين سياسية وصناع قرار تنفيذي وليس استشاريا فقط، وأن ينال الجسم الطبي على اختلاف مواقع العاملين فيه اهتماماً يوازي تضحياتهم هم والجيش والأجهزة الأمنية والدفاع المدني.
الأزمات دائماً تفرز الغث من السمين كما يقال والحمد لله أن السمين تفوق في هذه الأزمة وأثبت الأردن أنه مختلف واستثنائي ويتفوق على نفسه كلما كانت التحديات أكبر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock