أفكار ومواقف

الأزمة الأخيرة: عن الدروس والعبر والمستقبل

الأزمة التي عصفت بالبلاد خلال الأيام الماضية لم تكن الأولى ونتمنى أن تكون الأخيرة؛ لطالما كان الأردن الوطن والدولة والقيادة وعبر مائة عام من عمره في عين العاصفة وعلى أجندات الاستهداف ولقد أوجز رأس الدولة الملك عبد الله الثاني في رسالته للأردنيين توصيفه لما جرى حين قال بأنها ليست الأصعب ولكن مصدر ألمه أنها كانت من داخل العائلة.
ما حدث خلال الأيام العشرة الأخيرة ترك أثراً عميقاً في وجدان الأردنيين لا يمكن قراءته خارج إطار محبتهم لوطنهم وحرصهم على تجنيبه الهزات وتمسكهم بالدستور المرجعية الناظمة لشؤون الحكم في البلاد وبنفس الوقت أثبت إصرارهم وحرصهم على أن تماسك العائلة الهاشمية داخلياً عنوان للاستقرار الذي يسعى له الجميع وهي ثابت وطني خارج دائرة النقاش.
لا مندوحة من القول أن العودة للتاريخ تذكرنا أن مستقبل بلدنا كان مطروحاً على الطاولة وفي مراحل سوداوية اشتركت فيها قوى عربية وإقليمية ودولية بمن فيهم الحلفاء بالإضافة لدولة الاحتلال في مناقشة وجود الأردن من الأصل، بل تعالت الأصوات التي تسعى لإنجاز تسوية على حسابه وزعزعة استقراره، لكنه كان ينجو دائما وكانت كلمة السر في ذلك التفاف الناس حول وطنهم وقيادتهم.
ليس مفاجئاً أن تطوى الصفحة داخلياً وبما يتناسب وتقاليد العائلة الهاشمية التي يجمع الأردنيون عليها وترك الأمر للقضاء ليقول كلمته بالنسبة لبقية المتهمين بعد اكتمال التحقيقات؛ قد يتم تبرئة البعض منهم وقد يتم توجيه التهم للبعض الآخر ولكننا تعودنا على أن الحكمة والتسامح والعفو هي نهج اختطه الحكم الهاشمي بما لا يتعارض مع مصالح الدولة العليا.
المطلوب اليوم هو التوقف مطولا عند تلك الأيام الثقال التي أقلقتنا جميعاً ليس لإعادة النقاش العام وتوتير الأجواء بل لأخذ العبر والدروس المستفادة ومناقشة الأمور بعقل منفتح بعيداً عن القوالب التقليدية التي اعتادت عليها ما يسمى “نخب الدولة” السياسية التي أثبت جزء منهم في هذه الأزمة أنهم ينتمون لخطاب لا يتناسب مع بلد يعبر لمئويته الثانية. لقد استثمرت الدولة في الكثير من هؤلاء حتى يكونوا ذخيرة وطنية في الملمات والصعاب ولكنها اكتشفت واكتشفنا معها أنهم عاجزون بلا رأي ولا رؤية بل بارعون في ركوب الموجة لأهداف شخصية انتهازية بحتة دون أن يتمكنوا من التقاط مصلحة الدولة ومؤسسة العرش ويعبروا عنه بدقة.
ليس المطلوب الآن نبش الماض لنكء الجراح بل للتحذير من خطورة تكرر الظاهرة التي تمثلت في أحد المتهمين الرئيسيين في القضية والذي كان ومنذ بروزه في الحياة السياسية قبل ربع قرن مثار تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي كان يقوم بها وقد حذرت مبكراً منه شخصيات سياسية وإعلامية وشهدت جلسات مجلس النواب في فترة صعوده هجوما وتشكيكاً حول أدواره الملتبسة وليس سرا القول إنه تمكن من خلق وتكريس نهج اقتصادي داخل أروقة ومؤسسة الدولة المختلفة، والمطلوب اليوم ليس الحديث فقط عن محاكمته فهذا لا يغني عن محاكمة النهج بمجمله وإقصاء من يؤمنون به ومن صعدوا في المواقع بتوصية منه.
عبرنا إلى المئوية الثانية للتأسيس وعلى مقربة من مرور 75 عاما على الاستقلال؛ نحتاج مراجعة حقيقية جادة ومسؤولة وغير تقليدية ومختلفة عن كل المراجعات السابقة وعلينا من أجل بلدنا أن نعترف أنها أخفقت وأخفق معها الفريق الذي أدارها. المرحلة تحتاج دون تردد الشروع في ورشة حوار وطني برعاية وتوجيه ملكي سبق وأن دعا له الملك عبد الله الثاني مرات عديدة كي نتمكن من العبور لمستقبل أكثر استقراراً وصلابة وقدرة على مجابهة التحديات ودائما ضمن ثوابت الدولة ومرتكزاتها وجوهرها الدستور.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock