أفكار ومواقف

الأزمة القادمة في الانتخابات النيابية!

نحو 43 % فقط من المواطنين أبدوا عزمهم أو رجحوا المشاركة بالانتخابات النيابية المقبلة بحسب نتائج استطلاع للرأي العام أعلن عنه مركز الدراسات الاستراتيجية الاثنين، وذلك مقابل نحو 54 % أكدوا أو رجحوا عدم مشاركتهم بالاستحقاق الدستوري والديمقراطي المتوقع اكتماله في الصيف المقبل.
هذه النسبة المنخفضة للراغبين بالمشاركة بالانتخابات المقبلة تعد غير مبشرة بلا شك، وتعكس حالة الإحباط العامة في الشارع تجاه الحياة النيابية ومجمل الحياة السياسية، خاصة إذا ما علمنا أن من بين الـ43 % الراغبين بالمشاركة ثمة فقط 29 % بدوا حازمين أمرهم على المشاركة بينما كان 14 % مترددين واكتفوا بترجيح المشاركة. فيما كان 47 % من المشاركين بالاستطلاع حاسمين لأمرهم بمقاطعة الانتخابات و7 % مترددين لكنهم رجحوا عدم المشاركة.
قد يبدو من المبكر الركون إلى نتائج الاستطلاع الذي جاء مبكرا لتقدير قضية بحجم المشاركة بالانتخابات النيابية التي ما يزال أمامها عدة أشهر خاصة أن مسنّنات العملية الانتخابية لم تبدأ العمل بعد، لا رسميا من قبل الهيئة المستقلة للانتخابات والحكومة بانتظار صدور الأمر الملكي بإجراء الانتخابات وبالتالي تحديد يوم الاقتراع، ولا من قبل الناخبين أنفسهم ممن تساهم حملاتهم الانتخابية برفع نسبة المشاركين ومغادرة مربع التردّد أو السلبية تجاهها.
لكن مع ذلك؛ فإن نسبة العازفين عن المشاركة بالانتخابات والمتردّدين تبقى كبيرة ومقلقلة، وتستدعي مضاعفة الجهود الوطنية لرفعها والدفع قدر الإمكان لتجاوز حالة الإحباط العامة التي تغرق الشارع وتتركه سلبيا تجاه أهم المحطات الدستورية والديمقراطية وتضرب مفهوم المشاركة السياسية بالعمق.
كما أن ارتفاع منسوب الإحباط تجاه الانتخابات النيابية واتساع شريحة الراغبين بمقاطعة المشاركة بها يوفران بيئة خصبة لتزايد تأثير المال السياسي بالانتخابات، فالتجارب السابقة أثبتت أن الإحباط والسلبية لدى الناخبين كانت المدخل الرئيسي لتجار الانتخابات ومفسدي الذمم ومستثمري المال السياسي للنشاط وشراء الأصوات وتلويث سمعة الانتخابات ونزاهتها.
ما رسخ ويرسخ حالة الإحباط العامة في الشارع الأردني هو الأداء الضعيف لمجالس النواب المتعاقبة وسيادة الانطباع العام بانقياد هذه المجالس للحكومات وعدم قدرتها على التأثير على تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للناس بل والمساهمة، عبر تمريرها بعض القوانين والتشريعات والقرارات الحكومية، في المزيد من التردي المعيشي والاقتصادي وسوء الأحوال العامة.
قد يبدو إخراج الرأي العام والشارع الأردني من هذه الحالة أمرا صعبا جدا، خاصة فيما تبقى من أشهر قليلة على موعد الانتخابات المنتظر في آب أو أيلول القادمين كما هو متوقع، إلا أن ذلك لا يمنع من مضاعفة الجهود والحملات الرسمية وغير الرسمية لتجاوز هذا الإحباط باتجاه توسيع باب المشاركة بالانتخابات وكسر حالة العزوف الشعبي قدر الإمكان ليشارك الناس في اختيار ممثليهم.
ورغم أن التهاون مع المال السياسي واستشرائه بالانتخابات قد يعطي انطباعا أوليا بأنه يساهم برفع نسبة المشاركة فإن ذلك أمر مضلّل، فالتهاون مع شراء الذمم بالانتخابات واستشراء المال السياسي فضلا عن عدم قانونيته وطعنه بنزاهة الانتخابات يرتدّ سلبا على الثقة العامة بالمؤسسة البرلمانية وبالعملية الانتخابية برمتها ويحبط شرائح واسعة من الناخبين ويعمق لديهم الرغبة بالمقاطعة والكفر بمثل هذه الديمقراطية.
لا يملك أحد وصفة سحرية لانتشال المحبطين والعازفين عن المشاركة بالانتخابات المقبلة، خاصة وأن العزوف يرتبط بجانب أساسي منه بتراكم الإحباط من تردي الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات العامة وتشوه دور مجلس النواب وعدم الثقة بقدرته على مواجهة الفساد والتجاوزات العامة، لكن مع ذلك فإن الجميع مطالب اليوم ببذل كل الجهود والطاقات للاشتباك مع هذه المشكلة والبحث عن مخارج لتجاوزها والحد من تأثيراتها السلبية على الحياة السياسية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock