أفكار ومواقف

الأزمة في إسرائيل

على مدى شهور متواصلة، كانت الإدارة الأميركية، تؤجل اعلان تسويتها السياسية، للقضية الفلسطينية، لسببين، أولهما الانتهاء من تفاصيل صفقة القرن، وثانيهما، انتظار الانتخابات الإسرائيلية، وتشكيل نتنياهو حكومة إسرائيلية جديدة.
تسريبات الإدارة الأميركية، كانت تتحدث عن اعلان صفقة القرن، خلال شهر حزيران، أي الشهر المقبل، باعتبار ان الانتخابات الإسرائيلية تمت، ورئيس الحكومة الإسرائيلية عائد إلى موقعه بقوة، من اجل التعامل مع هذا الملف الحساس.
فشل نتنياهو بتشكيل حكومة خامسة، والكنيست الإسرائيلي حل نفسه، وانتخابات إسرائيلية في منتصف أيلول، ومعنى الكلام. الوضع في كيان الاحتلال يواجه ظرفا مختلفا، فلا حكومة إسرائيلية مستقرة، وقادرة أساسا على التعامل مع استحقاقات صفقة القرن، وفقا للمعيار الأميركي، ويستحيل ان يتمكن نتنياهو أو أي طرف إسرائيلي خلال الشهور المقبلة، من التعامل مع صفقة القرن، أو شروطها، أو استحقاقاتها، بذات الطريقة لو كانت هناك حكومة إسرائيلية جديدة، نتجت عن الانتخابات الأخيرة، التي شهدناها مؤخرا.
هذا يعني ان الطرف الإسرائيلي، غير حاضر، وغير جاهز، ولديه ازمته، وفي المقابل فإن الطرف الفلسطيني، الذي تم تجاوزه في كل هذه القصة، ولم يقف الاميركيون عنده ابدا، ولم يحاولوا أساسا وضعه في صورة هذه الصفقة، أو استشارته، اعلن مرارا ان هذه الصفقة، عار كبير، وانهم أيضا، لن يشاركوا في مؤتمر البحرين الاقتصادي الذي يوطئ لصفقة القرن، اقتصاديا، ويحول قضية فلسطين، من ملف بلد تم سرقته جهارا نهارا، إلى ملف للسلام الاقتصادي، وهي وصفة فاشلة، سبق ان طرحها مسؤولون اميركيون واسرائيليون.
كيف يمكن إذن ان تعلن واشنطن صفقتها، اذا كان الفلسطينيون يرفضون الصفقة، كليا، واذا كان الإسرائيليون لديهم ازمة داخلية كبيرة؟!
الإجابة على هذا السؤال تأخذنا إلى اكثر من احتمال، إما أن واشنطن سوف تكتفي بورشة البحرين الاقتصادية، حاليا، وتترك الشق السياسي مجددا إلى تشرين الاول امام هذه التعقيدات، وإما ان تتهور وتعلن عن تسويتها السياسية، وتتركها للنقاش والجدل والحوار لعدة شهور، دون ان تجد أي طرف قادر على التعامل مع هذه الصفقة، وبحيث تنضم هذه الوصفة إلى كل الوصفات الفاشلة سابقا، وإما انها سوف تتراجع كليا عن الشقين الاقتصادي والسياسي، وتجمد كل هذه المبادرة التي يراد منها انهاء القضية الفلسطينية.
سيكون غريبا جدا، ان تواصل واشنطن عنادها وتعلن عن تفاصيل صفقة القرن، في ظل الرفض الفلسطيني، وفي ظل الازمة الإسرائيلية الداخلية، هذا فوق استحالة تنفيذ الصفقة التي يراد منها بيع فلسطين كليا مقابل المال، وهي ذات الصيغة التي تم بيع اوهامها للعرب، بعد اتفاقيات أوسلو ووادي عربة وكامب ديفيد، حين تم التبشير بعهود الرخاء والازدهار، ولكن ثبت العكس، بل لربما تراجعت كل أوضاع الدول والشعوب بعد هذه الاتفاقيات.
ربما ستجد واشنطن في رفض الفلسطينيين، وأزمة الإسرائيليين، مخرج نجاة، تهرب عبره، بدلا من مواصلة السير على هذه الخطى، وتلقي الصفعات على وجهها، بسبب فشلها في تسويق وصفة ولدت ميتة، وهي صفقة تفترض ان الفلسطينيين والعرب، على المستوى الشعبي، حصرا، لديهم استعداد لتسوية هذا الملف، وهو افتراض واهن، لأن هناك ثوابت لا يمكن التخلي عنها، مهما كانت أحوال المنطقة، ومهما وصل بها الوهن والضعف وحل بها الخراب.
فلسطين ليست للبيع، وهذا ما لا تريد ان تصدقه واشنطن، هذا فوق أن لا أحد مفوضا بتسوية هذه القضية بطريقة مشوهة، خصوصا، ان الكل يجمع على ان قبول هذه الصفقة، من حيث المشاركة، أو التوطين، أو التنازل عن حق العودة، أو ما يخص ملف القدس، يتجاوز الخيانة بكثير، من حيث اللغة والمضمون.
في صيغ سابقة، كان قرار التقسيم العام 1947 يمنح الفلسطينيين دولة على اكثر من أربعين بالمائة من فلسطين، وبرغم ذلك تم رفض القرار، وكل الصيغ اللاحقة، مرورا بكامب ديفيد، واوسلو، ووادي عربة، كان التحذير على اشده، بشأن مسارات هذه الاتفاقيات، وقد وصلنا إلى مرحلة، يتم التفاوض فيها، على بيع كل فلسطين، مقابل مشاريع لتشغيل العاطلين عن العمل، فيما كل القصة، قصة وطن غائب، لا قصة بطون خاوية، وهذا مبدأ لا بد ان يفهمه كثيرون، في هذا العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock