آخر الأخبار حياتناحياتنا

الأزواج غير المؤهلين نفسيا وسلوكيا.. “قنبلة موقوتة” تبدد أمان الأسرة

تغريد السعايدة

عمان – لم تتوقع ندى (اسم مستعار) أن تبدأ بمواجهة الحياة الصعبة بتفاصيلها المعقدة مع زوجها الذي جمعهما الحب في البدايات؛ إذ لم يكن هنالك خوض بتفاصيل الماضي، أو علم بسلوكياته التي يصعب السيطرة عليها أو التخلص منها.
بدأت خباياه تظهر في حياتهما الزوجية، فهو من مدمني “المشروبات الكحولية”، إلى الحد الذي غير في سلوكه وأظهر أسلوبه السيئ بتعامله مع الآخرين.
ندى تعيش الآن مع أربعة أطفال “وحيدة” من دون وجود معيل لها، بعد أن تخلى عنها الزوج، الذي ما يلبث أن يخرج من السجن، حتى يعود له مرة أخرى، بقضايا مشاجرات تحدث معه في كل مرة، جراء فقدانه التركيز والوقوع في مشاكل مع محيطه وعائلته، وحتى في عمله، على الرغم من أنه “متعلم ودرس في أفضل الجامعات”، على حد تعبيرها.
ندى تشعر بالكثير من الأسى، فهي وافقت على الزواج بناءً على الحديث الإيجابي الطويل الذي قدمه الأهل حول ابنهم بأنه إنسان يتمتع بصفات إيجابية ومتعلم ومؤهل لأن يكون زوجا وأبا ناجحا، غير أن الحقيقة كانت بحرصهم على ارتباطه بفتاة “عاقلة” حسب وصفهم، لكي يستقر ويتحمل مسؤولية عائلته، إلا أن ذلك لم يحدث لتذهب ندى وأولادها ضحية مؤسسة زواج فاشلة، لا تجد من يعينها سوى نفسها، بعد أن أمسى الزوج عاطلاً عن العمل ويُعرضها وأبناءها لأسوأ أشكال المعاملة، ويرفض أن يتغير.
قصص كثيرة تنتشر في المجتمعات على اختلافها، هي تتشابه مع قصة ندى وزوجها، إلا أن الفرق قد يكون في طبيعة الحياة التي يعيشها الرجل قبل الزواج، ومدى وعي الأهل في ضرورة أن يكون الابن مؤهلا قبل إقحامه في مؤسسة الزواج، ليتسببوا بمشاكل أسرية قد تصل ببعض الأحيان إلى “جرائم إيذاء وقتل”.
الحال لا يختلف كثيراً لدى خولة، التي تتحمل ظروف عملها الصعبة، فهي المعيل الرئيسي لعائلتها المكونة من ثلاثة أطفال، وزوج هو الآن في السجن، يتحمل وزر قضايا مالية كان قد وقع في براثنها ما قبل الزواج، بسبب حصوله على أموال بطريقة غير مشروعة، أدت في النهاية إلى حبسه مدة لا تقل عن عشرة أعوام.
خولة، تزوجت بعد أن تعرفت على زوجها خلال العمل، وبعدما تقدم لخطبتها، وسأل أهلها عن أسرته وأخلاقه، لم يكن هناك من يخبرهم بأنه شخص معروف بين أقاربه أنه تم توقيفه أكثر من مرة في قضايا مالية، ويكون خروجه عند تدخل أهله في كل مرة.
وتستغرب خولة من الأهل الذين يقدمون على تزويج الابن ونقل المشكلة التي يعاني منها من بيته إلى بيت الزوجية، وهي الآن تتحمل المسؤولية وحدها، وتحرص على زيارة زوجها في السجن وتوفير ما يحتاجه من مستلزمات “عينية ونقدية”؛ إذ تؤكد أنها “غير قادرة على تركه بعد أن تخلى عنه الأهل”.
وتتعدد الأسباب، ولكن المحصلة هي ذاتها، فالكثير من القضايا التي تواجه فيها الزوجة الواقع الأليم بعد زواجها وارتباطها، والإخفاقات التي تتعرض لها، هي جراء وجود زوج غير مؤهل لبناء أسرة، وبعد أن يكون الأهل قد قاموا بإخفاء التفاصيل عن الزوجة، خاصة وأنها قضايا غير ظاهرة.
الأخصائي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، يرى أن الزواج له أهداف ومقاصد لتحقيق السكينة والمودة والاستقرار وبناء أسرة، وهي مسؤولية تقع على عاتق الشاب والفتاة والأهل من كلا الطرفين، ويجب أن يتم الاختيار بناء على أسس سليمة والأخذ بجميع الأسباب التي تؤدي إلى الزواج الناجح، وأبرزها وجود القبول من كلا الطرفين، والتكافؤ.
ومن الأمور التي يجب الأخذ بها بعين الاعتبار، كما يبين سرحان، “الفحص الطبي” الذي يساعد على الوقاية من الأمراض، ويجب أن يكون هناك معرفة للزوجين بالوضع الصحي والنفسي لكليهما، حتى لا تحدث “صدمة” فيما بعد يكون لها عواقب وخيمة، وتعد نوعاً من الخداع، لم تعلم بها الزوجة، على سبيل المثال.
وهو ما حدث لدى سحر (اسم مستعار) التي “نجت بحياتها بعد أن تعرضت في إحدى المرات لمحاولة طعن من زوجها خلال إحدى المشاجرات”؛ حيث كانت هذه الحادثة بداية الشرارة التي أشعلت نيران الخوف لديها، ما حدا بها إلى طلب الطلاق مباشرةً.
سبب التصرفات الغريبة التي تعرضت لها سحر من زوجها كان “وجود حالة مرضية نفسية لدى الزوج تجعله في الكثير من الأوقات يفقد القدرة على التحكم بتصرفاته”؛ إذ لم تكن سحر تعلم عن وجود هذا المرض لديه، ولم يتحدث أهله عن ذلك الجانب، وهو من الأسباب التي دفعتها لرفع قضية وكسبها في المحاكم الشرعية، لإخفاء أهل الزوج ذلك عنها وعن عائلتها.
اختصاصية علم النفس والمختصة في شؤون الأطفال الدكتورة أسماء طوقان، كانت قد بيت في حديثها لـ”الغد” أنه من الضرورة بمكان أن يتم عقد ورشات تأهيلية للمقبلين على الزواج والكشف عن الصحة النفسية لهم، مبينة أن هناك العديد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية ولم يتم تقديم المعالجة لهم، بل والإصرار على تزويجهم لاعتقاد الأهل أن الزواج يخفف من تلك الأعراض النفسية، إلا أنهم في هذه الحالة يسهمون في خلق أسرة غير مؤهلة لتربية الأبناء وحدوث جرائم كالتي نراها الآن.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد جرائم القتل الأسرية بحق النساء والفتيات في الأردن منذ بداية العام 2019 وصل إلى 20 جريمة، بارتفاع نسبته 186 في المائة، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2018، وفقاً للرصد الذي تقوم به جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن”.
كما كانت نتائج مسح السكان والصحة الأسرية الصادر عن الإحصاءات العامة قد بينت أن ما يعادل 26 % من الزوجات اللاتي أعمارهن ما بين 15 و49 عاما تعرضن للعنف بأشكاله من قبل أزواجهن، وهو ما يشير إلى وجود حاجة ملحة لتأهيل الأزواج ليكونوا قادرين على بناء أسرة متكاملة آمنة، وجيل سليم من الأطفال.
أخصائي الطب النفسي الدكتور علاء الفروخ، أكد أن المجتمع عليه التخلص من فكرة عدم الحديث عن المرض النفسي وإخفائه، بل على العكس، قد يكون الزواج سبباً في استقراره وعلاجه في حال تم الحديث عن كل شيء بموضوعية وشفافية؛ إذ يجب على أهل الشاب مثلاً، أو الفتاة، إخبار الطرف الثاني بماهية المرض حتى يكون هناك موافقة مبدئية، ومن ثم تتابع الزوجة مع زوجها أو العكس العلاج، بدون حاجته إلى تناول الدواء “بالخفاء”.
وفي حال حصل المريض “الزوج” على دوائه بالخفاء، بحسب الفروخ، فقد يكون ذلك سبباً في انتكاس حالته الصحية له، وبالتالي يؤثر هذا الخلل العلاجي على طبيعة سلوك المريض، وحدوث عنف عكسي على الزوجة والأبناء، وهنا يظهر الخطأ على الأهل الذين أسهموا في تأسيس أسرة “هشة” غير واضحة المعالم لدى الطرفين.
في حين يؤكد الفروخ أن الأشخاص مدمني الكحول والمخدرات هم الفئة الأكثر ضرراً على الأسرة في حال تم تزويج الابن وهو ما يزال “يتعاطى المخدرات”، على سبيل المثال، لذا على الأهل أن يكونوا على دراية كاملة بالابن، فالمرض النفسي هو حالة تحتاج إلى متابعة علاج فقط، بينما الظروف الاجتماعية والأخلاقية للفرد هي ما تحدد طبيعة حياته الأسرية فيما بعد.
لذا، يشدد الفروخ على أهمية الوضوح في العلاقة الزوجية منذ بداياتها، حتى يكون هناك اتفاق ووعي لدى الزوجين، وتقبل كل منهما لظروف الآخر، وقد تكون الزوجة خير سند لزوجها الذي يعاني من مرض نفسي “يمكن السيطرة عليه بالعلاج”، والتخلص من المشاكل التي قد تظهر فيما بعد، وتؤدي إلى مشاكل أسرية قد يكون ضحيتها الزوج نفسه بدايةً، ومن ثم الزوجة والأبناء.
لذا، يعود الاختصاصي الاجتماعي سرحان ليؤكد أهمية استغلال فترة “الخطوبة” للتصارح والتعرف على أخلاق الشخص ووضعه النفسي والجسدي والاجتماعي، وهنا أيضاً تقع مسوؤلية الأهل بأهمية أن يكونوا صريحين في الحديث عن أبنائهم، حتى لا تعد مخالفة شرعية، ويمكن الاستعانة بالخبراء المختصين لتقدير حالة الشاب أو الفتاة، خاصة أن “مؤسسة الزواج” سينتج عنها أطفال يدفعون الثمن سواء أكانت أسرتهم مستقرة أو مفككة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock