منوعات

الأسباب العلمية وراء “ضرورة” تأخير بداية اليوم الدراسي

يترقب المراهقون في ولاية كاليفورنيا بفارغ الصبر الحصول على ساعات النوم الإضافية التي يحتاحونها بشدة بفضل القانون الجديد الذي صدر الشهر الحالي لتأخير بداية اليوم الدراسي للمرحلة الثانوية بحيث تبدأ في الساعة 8:30 والمرحلة الإعدادية، بحيث تبدأ في تمام الثامنة صباحا.

وكان الهدف من هذه الخطوة تحسين أداء الطلاب في المدارس من خلال ضمان حصولهم على قسط كاف من الراحة، وقد أيدت ذلك دراسات عديدة أثبتت أن أنماط نوم المراهقين غير المنتظمة، من السهر ليلا إلى النوم لساعات متأخرة في النهار، تعود لأسباب خارجة عن إرادتهم.

إذ تحدث تغيرات كبيرة في الإيقاع الحيوي اليومي في مرحلة المراهقة، ولهذا لا تنسجم ساعاتهم البيولوجية، التي تنظم ساعات النوم والاستيقاظ، مع المواعيد التي يفرضها المجتمع. وأثبتت دراسات أن إجبار المراهقين على الاستيقاظ مبكرا في الصباح للذهاب للمدرسة قد يؤثر على صحتهم البدنية والنفسية وقدرتهم على التركيز والاستيعاب.

لكن أنماط النوم والاستيقاظ التي لا تتوافق مع الساعة البيولوجية الداخلية للجسم قد تؤدي إلى ظاهرة تسمى “اختلاف التوقيت الاجتماعي”، وهذه الظاهرة تطال جميع شرائح المجتمع وليس المراهقين وحدهم.

صاغ تيل روينبرغ، أستاذ البيولوجيا الزمنية بجامعة لودفيغ ماكسيميليان بميونيخ، مصطلح “اختلاف التوقيت الاجتماعي”، وعرّفه بأنه “عدم التوافق بين الساعة البيولوجية للجسم وبين مواعيد الالتزامات العملية والاجتماعية”.

وقد تظهر هذه الظاهرة عندما لا تنسجم احتياجاتنا للنوم التي تحددها التغيرات الحيوية التي تحدث في الجسم وفقا لدورة الضوء والظلام، مع الالتزامات والمتطلبات الاجتماعية الأخرى، وعندها نضطر لإعطاء الأولوية لهذه الالتزامات على حساب ساعة الجسم البيولوجية.

ويقول روينبرغ: “كل شخص يحتاج للمنبه للاستيقاط يخالف الساعة الداخلية للجسم”، فإذا كان جسمك يحتاج للنوم من منتصف الليل وحتى الساعة 7:45 صباحا لكن الالتزامات في حياتك تجبرك على ضبط المنبه في الساعة 6:15 في أيام العمل، فأغلب الظن أنك ستعاني من أعراض اختلاف التوقيت الاجتماعي.

وربما يعمد أغلبنا عند حساب الوقت الذي لابد أن يستيقظ فيه صباحا للذهاب للعمل، إلى تخصيص وقت للاستعداد ولزمن الرحلة للعمل وربما لتوصيل الأطفال للمدراس، لكننا لا نضع في الاعتبار ساعات النوم التي يحتاجها الجسم.

وفي أيام الإجازات، قد يسهر الكثيرون ليلا ويستيقظون في ساعة متأخرة من النهار دون الحاجة لضبط المنبه. وهذا الاختلاف في توقيت النوم والاستيقاظ ينبئ بأن الجسم يفضل النوم في ساعات مختلفة، وهذا يدل على اختلاف التوقيت الاجتماعي.

لكن مارثا ميرو، أستاذة البيولوحيا الزمنية الجزيئية، تقول إننا أحيانا ننام لساعات أطول في أيام الإجازات ليس فقط امتثالا لتوجيهات ساعاتنا الداخلية، لكن أيضا لتعويض ساعات النوم التي لم نحصل عليها طوال الأسبوع.

كيف يؤثر فارق التوقيت الاجتماعي على صحتنا؟

إن ضبط ساعات النوم والاستيقاظ لتوافق مواعيد الالتزامات الاجتماعية والعملية قد يؤثر على حالتنا المزاجية والبدنية في الصباح، لكن تبعاته ستكون أشد وطأة على محبي السهر الذين لم يعتادوا الاستيقاظ مبكرا. ويعاني عادة الأشخاص الذين يعملون في ساعات غير معتادة، مثل الممرضات في نوبات العمل الليلية، من اختلاف التوقيت الاجتماعي.

وبخلاف التعب والإرهاق، ثمة تبعات مالية أيضا، إذ أشار بحث إلى أن الأشخاص الذين اعتادوا على الاستيقاظ مبكرا، يحصلون على أجور أعلى بنسبة تتراوح بين أربعة وخمسة في المئة مقارنة بنظرائهم الذين يفضلون السهر.

وقد يعزى ذلك إلى أن الأشخاص الذين اعتادوا على الاستيقاظ مبكرا تتوافق ساعاتهم البيولوجية مع المواعيد التي تفرضها الحياة العملية والاجتماعية، ومن ثم يكونون أكثر نشاطا وكفاءة في الصباح مقارنة بنظرائهم الذين اعتادوا على السهر. وهذا يعني أن ساعات العمل في معظم الشركات تتيح الفرصة لمعتادي الاستيقاظ مبكرا للتفوق على نظرائهم.

وثمة مزايا غير متوقعة لتحقيق لتوافق بين مواعيد النوم والاستيقاظ التي يحتاجها الجسم وبين مواعيد الالتزامات اليومية. إذ لاحظ باحثون أن تأخير مواعيد بدء اليوم الدراسي في ولاية فيرجينيا لساعة ونصف ساهم في تخفيض عدد حوادث السيارات التي يرتكبها مراهقون في أيام الدراسة. وعزا الباحثون ذلك إلى ساعات النوم الإضافية التي حصل عليها قائدو السيارات المراهقون.

ويقول روينبرغ إن عدم التوافق بين الساعة البيولوجية وبين الالتزامات الاجتماعية يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة مثل متلازمة الأيض، ويزيد احتمالات الإصابة بالسمنة والإقبال على التدخين.

وفي المقابل، يقول روينبرغ إن التوفيق بين مواعيد النوم والاستيقاظ التي تحددها الساعة الداخلية وبين متطلبات الحياة اليومية، يساهم في تحسين الصحة وإطالة العمر والحد من الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهل المجتمع.

غير أن حل مشكلة فارق التوقيت الاجتماعي يعتمد على الشركات التي نعمل لحسابها. ويقول روينبرغ إن المجتمع في الوقت الحالي يناقض نفسه، إذ لا يزال ينظر للشخص الذي يبدأ العمل في العاشرة صباحا على أنه كسول، رغم أن المتطلبات العالمية تقتضي العمل على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع.

ويرى روينبرغ أن الشركات قد تجني فوائد عديدة إذا واءمت بين ساعات الدوام وبين احتياجات كل موظف على حدة. ويقول إن الموظف إذا حصل على كفايته من النوم في الوقت الذي تمليه عليه الساعة البيولوجية، واستيقظ بنفسه دون منبه، سيكون أكثر كفاءة وستقل عدد الأيام التي يتغيبها عن العمل.

وتجري شركات أبحاثا عن مزايا السماح للموظفين بالحضور متأخرين إلى العمل أو وضع جداول العمل التي تناسبهم. وخلص استطلاع للرأي أجرته شركة “سيسكو” للتكنولوجيا في عام 2009، إلى أن الموظفين الذين سمح لهم بالعمل عن بعد أسهموا في زيادة أرباح الشركة بنحو 277 مليون دولار. ورغم أن هذه الزيادة لا ترتبط بالضرورة بتحسن أنماط النوم، إلا أن 80 في المئة من المشاركين في الاستطلاع ذكروا أن العمل عن بعد حسّن جودة حياتهم بشكل عام.

ووفر العمل عن بعد على الموظفين ساعات التنقل إلى العمل جيئة وذهابا، وهذا يعني أنهم سينعمون في المقابل بساعات نوم إضافية. وخلصت دراسة عام 2015 إلى أن الأشخاص الذين يعملون بنظام العمل المرن ينامون لساعات أطول دون إهدار وقت العمل.

عامل الضوء

وقد يؤثر الضوء في الحياة المعاصرة أيضا على إيقاع الساعة البيولوجية. إذ قد يخدع الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الكمبيوتر وأجهزة الهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية أجسامنا فتتوهم أنه ضوء النهار الطبيعي، ومن ثم تمتنع عن إفراز الميلاتونين الذي نحتاجه حتى نخلد إلى النوم.

وكثيرا ما يلجأ الناس إلى خفض الإضاءة في الإجهزة الإلكترونية باستخدام الوضع الليلي أو الامتناع عن استخدامها بعد ساعة معينة لتلافي آثار الضوء الأزرق على الساعة البيولوجية. لكننا نغفل عن أهمية التعرض للضوء الطبيعي أثناء النهار.

ويقول روينبرغ، إن بعض الناس قد يمضون اليوم بأكمله داخل المبانى، كالموظفين، ولا يتعرضون إلا لقدر ضئيل من الضوء، مع أن تأثير التعرض للضوء نهارا لا يقل أهمية عن تأثير الابتعاد عن الضوء الأزرق ليلا في ضبط إيقاع الساعة البيولوجية.

ويقول روينبرغ إن الحياة العصرية تجعلنا نتعرض لكمية أقل من الضوء نهارا وكمية أكبر من الضوء ليلا، ولهذا تغيرت ساعات الجسم الداخلية لتوائم توقيت المؤثرات الخارجية، وبات من الصعب التوفيق بينها وبين توقيت الالتزامات الاجتماعية التي تتطلب الاستيقاظ مبكرا.

ما هو الحل؟

قد ينادي البعض بتطبيق أنظمة العمل المرن أو تأخير بدء اليوم الدارسي، لكن مشكلة فارق التوقيت الاجتماعي ستظل قائمة ما دام الناس يحتاجون للمنبه للاستيقاظ.

تقول الدكتورة ميرو إن هناك ثلاثة عوامل أساسية تسهم في ضبط إيقاع الساعة البيولوجية، وهي الاستعداد الوراثي والسن والضوء. والعامل الوحيد منهم الذي نستطيع التحكم فيه هو الضوء. فإذا أردت أن تغير نمط النوم والاستيقاظ اليومي حتى تستيقظ في ساعة مبكرة، عليك أن تستشير خبير في البيولوجيا الزمنية ليساعدك في تحديد المواعيد التي يجب أن تتعرض فيها لكمية أكبر أو أقل من الضوء.

لكنها ترى أنه بالنظر إلى طبيعة العمل الآن التي تفرض على الموظفين العمل داخل المباني، قد يكون من الصعب تحقيق التوازن بين كمية الضوء التي نتعرض لها نهارا وليلا.

وقد يجد أكثر الناس صعوبة أيضا في الاستيقاظ دون استخدام المنبه، كما ينصح روينبرغ.-(BBC)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock