ترجمات

الأسد.. أسوأ عدو لنفسه

كريستوف عياد* – (لوموند) 

ترجمة: مدني قصري
منذ بداية الأزمة السورية، ظل بشار الأسد أسوأ أعداء نفسه. فالرئيس السوري لم يبدد الأوراق الرابحة التي بين يديه وحسب، بل إنه أسهم إلى حد كبير في تقوية وتسييس ثورة لم تكن في البداية تسعى إلى إسقاطه، أو إلى تغيير نظامه.
في بداية “الربيع العربي” كان الرئيس السوري الشاب واحدا من زعماء المنطقة القلائل الذين يملكون في أعين شعبه، صورة الشخص غير الإصلاحي حقاً، فطوال عقد من سلطة السيد بشار الأسد، كانت لائحة خيبات الأمل التي تراكمت لدى السوريين طويلة بالفعل. ومع ذلك، يبدو الرئيس السوري حتى الآن وكأنه ما يزال يتمتع بميزة أساسية أخرى في أعين شعبه، وهي صورة الرجل الذي لا يمكن للإصلاح أن يأتي إلا من خلاله؛ حتى إن جزءا من الصحافة، ومجموعة من الدبلوماسيين الغربيين ظلوا يحتفظون بقناعة أن التغيير في سورية لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل. وكثيراً ما كان أقارب الرئيس يتغنون بنموذج “الأمير الشاب المستنير” الذي يُعيق حركته “الحرسُ القديم” المتخلف، والظروف المعاكسة.
لكن هذه الحظوة لم تستمر بسبب القمع الفظ في بداية العام 2001 لما سمي “ربيع دمشق” الذي شهد تحرير التعبير السياسي خلال ستة أشهر، كما فقدت استمراريتها بالتخلي عن مشروع إصلاح الدولة في العام 2002/2003 الذي أفشلته طبقة من الانتهازيين الذين لعبت أسرة الرئيس دورا ريئسيا فيها. كما لم يف بشار الأسد بوعوده التي قطعها لشعبه خلال مؤتمر البعث الأول في حزيران (يونيو) 2005 بإدخال التعددية، وإصلاح جهاز الحزب.
كان السيد الأسد يتمتع بميزتين أخريين لا يستهان بهما: الميزة الأولى، هي تمتعه بوراثة عائلية منذ العام 2000، وهو ما منحه عقدا من الزمن لكي يستقر ويبني أسس الشرعية؛ والميزة الأخرى هي، كما أكد هو نفسه في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جرنال” بتاريخ 31 كانون الثاني (يناير) 2011 –ما بين سقوط بن علي ومبارك – أنه يُجسد شكلاً من أشكال المقاومة في وجه الهيمنة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة.
لكن السيد الأسد ما لبث أن بدد هالة الرجل الإصلاحي هذه في غضون فترة تجاوزت الشهر بقليل. وعلى الرغم من أن أسباب الثورة السورية التي اندلعت في 15 آذار (مارس) هي أسباب قديمة وعميقة، إلا أن الأحداث انفجرت أولاً في درعا، وهي بلدة كبيرة في جنوب سورية. وهناك، ألقت أجهزة الأمن القبض على عشرات الأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم خربشوا على الجدران، من باب اللعب، أو بدافع التقليد “الشعب يريد إسقاط النظام!”. وقد عُذّب هؤلاء الأحداث الأبرياء، وتعرّض آباؤهم الذين جاؤوا للمطالبة بإخلاء سبيلهم رفقة بعض وجهاء القبائل ورجال الدين، للشتم والإذلال من قبل رئيس الجهاز الأمني عاطف نجيب الذي قال لهم: “انسوا أولادكم، وانجبوا غيرهم! وإذا كنتم لا تتقنون فن الإنجاب، فهاتوا نساءكم!”
وعندما نما التمرد وتفاقم، قام بشار الأسد بإقالة محافظ درعا، لكنه لم يُقل المسؤول الأمني التابع له، وهو من أقاربه، المعروف بالفعل بأعماله الطائشة في اللاذقية ودمشق. وكان ذلك التضامن العشائري الذي يسمو على كل اعتبار آخر ثابتة من الثوابت المؤكدة منذ انفجار الأزمة، وهو ما أفقد الأسد جزءا كبيرا من أنصاره السياسيين.
من الجدير بالملاحظة أن درعا هي رمزٌ جوهري في هذه الثورة. وقد كانت المدينة معقلا لحزب البعث في المناطق الريفية، وهي التي بنى عليها والد بشار، حافظ الأسد، قوّته من خلال كسبه للكثير من الدعم خارج الطائفة العلوية الصغيرة. وكان الأسد الوالد يملك شبكة من الولاء في جميع أنحاء البلاد، ومن جميع الطوائف، وهو ما حُرم منه الأسد الابن، وكأنه يحكم بلدا أجنبيا غريبا عنه.
وفي درعا نجح الرئيس الأسد في تحويل التمرد المحلي باسم الكرامة، إلى ثورة وطنية وسياسية. ومنذ ذلك الحين ما فتئ السيناريو  يعيد نفسه. أما المشهد الرئيسي الثاني فكان خطابه إلى البرلمان في 30 آذار (مارس) 2011، بعد مرور أسبوعين على التمرد الدموي. مرة أخرى خيّب الأسد الآمال، وفاقم الأزمة. ففي الوقت الذي ألمحت فيه مستشارته بثينة شعبان، إلى أن بشار سيعلن خطوات دراماتيكية – نهاية حكم الطوارئ، وإنهاء قيادة البعث في الدستور، وإقامة التعددية الحزبية، وتحرير الصحافة، إلخ- اكتفى هو، بعد أن أثمله هتافُ النواب وتهليلهم، بازدراء المتظاهرين، وإنكار المشكلة. فمن تلك اللحظة انكسرت الإصلاحات، الواحدة تلو الأخرى، في الأشهر الموالية، وكان كل إعلان جديد يأتي متأخرا، بمثابة اعتراف بالضعف. 
هناك، في هاجس بشار الأسد في أن لا يظهر بمظهر الضعف، اعتراف محتمل باللاشرعية التي باتت تلازمه. وفقدان الشرعية هذا هو الذي قاده إلى قمم اللاإحساس: فقد رد على زعيم لبناني جاء لزيارته، ليسأله لماذا تعذبون الأطفال، أمثال حمزة الخطيب (12 عاما إلى حد الموت، قائلا بسذاجة “إن الطفل لم يعذَّب، وبالتالي لم يتألم!”).
إن هذه المجموعة من التكتيكات، ومن الأكاذيب التي لن تدوم طويلا، والتي لسنا نعلم إن كان بشار الأسد نفسه يؤمن بها، لا ترقى إلى مستوى أي استراتيجية حقيقية. لقد استهان وأغضب حلفاءَ مهمين، أمثال أمير دولة قطر آل ثاني، ورجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا، اللذين كانا حليفي دمشق في بداية الأزمة. فلم تتدخل قناة الجزيرة، ورئيس وزراء تركيا، نصير ونموذج الثورة العربية، صديقهما السوري إلا بعد مرور وقت طويل. وتكرارُ السيناريو نفسه مع روسيا فلاديمير بوتين ليس سوى مسألة وقت. فعندئذ لن يبقى أمام بشار الأسد سوى دعم إيران، التي باتت هي نفسها ضعيفة ومحاصرة.
صدر هذا المقال تحت عنوان: Al-Assad, son meilleur ennemi

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock