صحافة عبرية

الأسد ينتظر تركيا

هآرتس

تسفي برئيل

8/11/2019

عصيان مدني صغير جرى في هذا الأسبوع في مدينة ادلب في سورية. سكان المدينة والمحافظة خرجوا للتظاهر، وهتفوا هتافات مهينة ضد “حكومة الانقاذ” التي تدير المحافظة، وطلبوا الغاء رفع الضرائب الجديدة وتوفير النفط والغاز واجتثاث الفساد. محافظة ادلب التي يعيش فيها 3 ملايين نسمة تقريبا، منهم عشرات آلاف المهجرين من سورية و50 ألفا من مقاتلي المليشيات المسلحين الذين انتقلوا اليها في اعقاب اتفاقات وقف إطلاق النار التي بادرت اليها سورية، تتم ادارتها كدولة داخل دولة في سورية.
معظم اجزاء سورية عادت بالفعل إلى سيطرة نظام الاسد، لكن ما زالت هناك مناطق كثيرة محررة يتم حكمها من قبل منظمات معارضة ومليشيات متمردين. وهذه تدار من قبل “الحكومة السورية المؤقتة”، وهي جسم تم تشكيله في 2013 وتم الاعتراف به من قبل المؤسسات الدولية كممثل للمعارضة. يبدو أن هذه حكومة بكل ما تعنيه الكلمة، يوجد لها رئيس هو عبد الرحمن مصطفى، وعدد كبير من الوزراء للدفاع والتعليم والتجارة والعدل وغيرها.
ولكن في 2017 قامت في محافظة ادلب حكومة انقاذ يترأسها محمد الشيخ، تدير المحافظة بشكل مستقل من خلال الصراع الدائم على السلطة مع الحكومة المؤقتة. حكومة الانقاذ تدار فعليا من قبل منظمة “تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) الراديكالية التي تم تأسيسها في احضان القاعدة.
ومثل الحكومة المؤقتة فان حكومة الانقاذ ايضا في ادلب تعمل وكأنها حكومة حقيقية. هي تضم 14 وزيرا وتدير الشؤون المدنية والأمنية للمحافظة، وتدير محاكم وجهاز تعليم. ومن اجل تمويل نشاطها فقد استولت على عدد من المعابر الحدودية التي تربط المحافظة مع تركيا وهي تحصل على ارباح كثيرة من جباية تأشيرات العبور بين سورية وتركيا. وهي ايضا تجبي الضرائب من المواطنين ومسؤولة بصورة حصرية عن توفير الوقود للمحافظة بواسطة شركة فرعية باسم “وتد”
ازدواجية السلطة في المناطق المحررة التي لا تقع تحت سيطرة النظام تخلق بصورة طبيعية مواجهات إدارية. وهذه تنبع من الجهد الذي تبذله الحكومة المؤقتة للسيطرة على جميع المناطق المحررة وطرح نفسها كممثل حصري لكل حركات المعارضة.
لا تنتظروا الدستور
هذا الأسبوع بدأت في جنيف مباحثات لصياغة الدستور السوري الجديد، الذي سيحدد صورة الدولة بعد الحرب. 150 مندوبا، ثلثهم من قبل الحكومة وثلث من المعارضة وثلث من المنظمات المدنية، أعضاء في مجلس صياغة الدستور، من خلاله تشكلت لجنة دستور مصغرة فيها 45 عضوا يتولون فعليا صياغة الاقتراحات.
مسألة الدستور هي احدى بؤر المواجهة السياسية بين “الحكومتين” في شمال سورية اللتان تتبعان مقاربات مختلفة. في حين أن حكومة الانقاذ في ادلب تطالب بأن تكون سورية دولة شريعة ودستورها يستند على أسس الدين الاسلامي فان الحكومة المؤقتة تطمح الى تشكيل نظام سوري ليبرالي وديمقراطي يمثل جميع الطوائف والاديان.
ولكن من الأفضل عدم حبس الانفاس انتظارا للنتاجات التي ستنتج عن محادثات جنيف. اليوم الأول للنقاش كرس لمناقشة بروتوكول سلوك الاعضاء، كدليل على السلوك المهذب الذي يشمل تعليمات تمنع الشجار والشتائم ومواجهات بين المندوبين. اليوم الثاني ألقى فيه المندوبون الاتهامات على بعضهم، وعدد منهم، بالاساس الذين في المعارضة، لم يحضروا جزء من النقاشات.
الاسد من ناحيته يحافظ على مسافة من نقاشات اللجنة من خلال استخدامه لدلالات اصلية. مندوبو نظامه يسميهم “مندوبون يؤيدون موقف الحكومة”، وكأن الأمر يتعلق بتجمع صدفي لممثلين غير مرتبطين بشكل وثيق بالحكومة ويحصلون منها على التوجيهات من الاسد. هذا التعريف استهدف أن يعفي الأسد من أي مسؤولية في حالة فشل المفاوضات والتنصل من الاتفاقات التي سيتم التوصل اليها في المباحثات إذا لم ترق له.
في ظروف اخرى كان يمكن رؤية في هاتين الحكومتين تيارات ايديولوجية متخاصمة تصارع على تطبيق طموحاتها، لكن ليس فقط الايديولوجيا والمبادئ هي التي تفصل بين الجسمين. مركز الصراع بينهما هو سياسي واقتصادي.
الأمر المهم هو أن هذين الجسمين يؤيدهما رئيس تركيا رجب طيب اردوغان. الحكومة المؤقتة تقيم في تركيا وتدير من هناك المناطق المحررة في سورية. وفي نفس الوقت حكومة الانقاذ تحظى بمعبر مفتوح الى تركيا ومنها، ويبدو أن عدد من المليشيات التي تشكلها تحصل على التمويل من تركيا.
في المقابل، سورية وروسيا تعتبران حكومة الانقاذ جسما غير تمثيلي وإرهابي. أو على الاقل جسم يستند الى منظمات ارهابية. اردوغان تعهد في الاتفاق مع فلادمير بوتين بنزع السلاح الثقيل من ايدي المتمردين في ادلب، لكنه ايضا ملزم بالحفاظ على العلاقات الجيدة مع حكومة الانقاذ التي تعد تركيا بمعقل مهم من النفوذ في الدولة الذي من خلاله، تأمل، أن تشكل الحل السياسي في سورية.
اضافة الى حكومة الانقاذ يوجد لتركيا دعامة اخرى في سورية وهي الجيش الوطني الحر، وهو تجمع مليشيات تم تشكيله مؤخرا. الكبيرة والمهمة من بينها هي “جيش سورية الحر”، وهي مليشيات المتمردين الاولى التي انشئت في سورية عند اندلاع العصيان، والتي تشكلت في الاساس من ضباط وجنود سوريين هربوا من الجيش السوري.
“الجيش الوطني” الذي تموله تركيا بسخاء، خاضع لتركيا والحكومة المؤقتة ويترأسه وزير الدفاع في هذه الحكومة، الجنرال سليم ادريس. في مقابلة مع وكالة الانباء التركية “اناضولو” في تشرين الاول الماضي قارن ادريس القوات الكردية بداعش واعتبرها منظمة ارهابية يجب اجتثاثها من الجذور.
ادريس (62 سنة)، والذي يتحدث خمس لغات وحصل من المانيا على شهادة الدكتوراة في مجال اجهزة الرادار هو جنرال رفيع في جيش الاسد، الذي فر منه في 2012. في المقابلة شرح بأن “مصالحنا تتوافق مع مصالح اخوتنا الاتراك”. ولكن خلافا لانقرة ادريس ينظر الى روسيا كدولة معادية تعمل بتنسيق مع أميركا واسرائيل من اجل حماية النظام الديكتاتوري في سورية.
“بوتين يعتبر نفسه كمن يدير هذه المسألة (العمليات السياسية التي بادرت اليها روسيا في سورية)، لكنه لا يعرف بأننا نعلم بأنه مندوب الولايات المتحدة التي تحصل على التعليمات من بنيامين نتنياهو”، قال ادريس. “نتنياهو يريد ابقاء بشار الاسد في الحكم لأنه وهو ووالده كانا حاميين لحدود اسرائيل. علينا أن نكون حذرين في قراءة العملية السياسية لروسيا”. ادريس والجيش الوطني يدركون بأن اللعبة السياسية في سورية تجري من فوق رأسهم وأنهم فقط بيادق. ولكن اعتماده على تركيا لا يبقي له أي خيار عدا عن الخضوع لتوجيهات تركيا التي هي نفسها مطالبة بتنسيق نشاطاتها مع موسكو.
وضع غامض على الارض
قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية خلق على الارض، وبالاساس في شمال سورية، تحالف غريب فيه تركيا وروسيا تجريان دوريات مشتركة على طول الحدود السورية في مناطق احتلت من قبل تركيا، في حين أن قوات أميركية تواصل القيام بدوريات مشتركة مع القوات الكردية، الامر الذي يغضب تركيا. في نفس الوقت بدأ الجيش السوري بالانتشار في عدة مناطق كردية ووصل الى مداخل مدينة القامشلي من اجل اعطاء اشارات بأنه ينوي وقف استمرار سيطرة اردوغان على المنطقة الحدودية.
ولكن رغم تبادل اطلاق النار الصدفي الذي اندلع بين القوات التركية والقوات السورية، من المشكوك فيه اذا كانت سورية تنوي الدخول في مواجهة شاملة مع تركيا لطردها من اراضيها. التقدير هو أنه بعد استكمال تركيا عملية تطهير الحدود من وجود الاكراد العسكري فان روسيا ستطلب منها الانسحاب من سورية لاستكمال سيطرة الاسد على جميع الدولة. في هذه الاثناء يخدم الغزو التركي مصالح روسيا وسورية، وضمن امور اخرى، في أنها دفعت الاكراد الى عقد تحالف غير رسمي مع النظام السوري الذي تعهد بحمايتها من القوات التركية.
ولكن الوضع على الارض غامض جدا. حسب تصريحات وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، فان القوات الكردية انسحبت الى عمق 30 كم، حسب الاتفاق الذي وقع بين روسيا وتركيا. انقرة نفت ذلك وقالت إن الاكراد لم يستكملوا انسحابهم بعد. لذلك، هي تنوي البقاء في المنطقة وتوسيع نشاطها العسكري طالما أن الاكراد لم ينسحبوا والى حين عودة ملايين اللاجئين السوريين من تركيا الى المنطقة الآمنة التي تنوي اقامتها على الاراضي السورية.
هكذا توسع تركيا التفويض الذي حصلت عليه. إذا كانت قبل الغزو قد اوضحت بأن تدخلها العسكري يستهدف ابعاد التهديد الأمني الذي تشكله القوات الكردية فهي الآن تضع شرطا آخر للتهدئة وهو عودة اللاجئين من تركيا. من ذلك يخاف الاكراد والأميركيون الذين يعتبرون خطوة تركيا نية لاحداث تغيير ديمغرافي في شمال سورية من خلال توطين ملايين اللاجئين السوريين في المنطقة المأهولة بالاكراد والتي اعتبرت تاريخيا منطقة كردية واضحة.
تركيا تبرر هذا الهدف بأنها لم تعد قادرة على تمويل وجود اللاجئين في اراضيها بعد ان صرفت من خزينتها 40 مليار دولار لهذا الهدف. هذا ادعاء له اهمية كبيرة، لأن تركيا ما تزال لم تحصل على كامل المبلغ الذي هو 6 مليارات دولار والذي وعد الاتحاد الأوروبي بتحويله اليها مقابل منع تسرب اللاجئين من اراضيها الى الدول الاوروبية.
اللاجئون لا يسارعون الى تبني فرصة العودة الى سورية لأن معظمهم لا يمكنهم العودة الى بيوتهم المهدمة. هم سيواصلون العيش في ظروف اللجوء في المنطقة الآمنة والكثيرون منهم سيضطرون الى التجند في الجيش السوري عند عودتهم. ورغم أن هذه المبررات مقنعة، إلا أنه اذا قرر اردوغان بأن الوقت قد حان للتخلص منهم، فانه لا المنطق ولا الإنسانية ستوقف ترحيلهم من اماكن تواجدهم في تركيا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock