تحليل إقتصادي

الأسواق الناشئة: الدول نادرا ما تتخلف عن سداد الديون أو فوائدها

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- ليست فنزويلا بلدا عاديا، فهي موطن أكبر احتياطات العالم من النفط، وصاحبة أعلى معدلات التضخم أيضا، وتشتهر أيضا بأعداد ملكات الجمال والمعدلات المخيفة لجرائم القتل، وتعتبر عدوتها الأكبر، أميركا، زبونتها الأكبر أيضا، في ضوء ابتياعها قرابة ثلث صادراتها.
وتؤول فنزويلا لتصبح “غير اعتيادية” بشكل متزايد أكثر مع تعثرها في السندات السيادية الشهر الماضي، (حيث أنها لم تدفع الفائدة الخاصة بسندين مقومين بالدولار في فترة الإهمال التي انتهت بالثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر).
وانخفض عدد الحكومات التي تخلفت عن سداد الدائنين من القطاع الخاص إلى أخفض مستويات لها العام الماضي منذ العام 1977، وفقا لقاعدة بيانات بنك كندا.
ومن الدول السيادية الـ131 التي رصدتها “إس آند بي جلوبال”، وكالة التصنيف الشهيرة، كانت موزامبيق الدولة الوحيدة الأخرى غير فنزويلا التي تخلفت عن السداد، وذلك لكونها تخلفت عن سداد المدفوعات على سنداتها المقومة باليورو (كما ولم تسدد القروض المضمونة لمؤسستين مملوكتين للدولة أيضا).
وكان الكثيرون سخروا مرة من الرئيس السابق لـ”سيتي بانك”، وولتر وريستون، عندما أعلن أن “الدول لا يمكن أن تفلس أبدا”. لكنها لا تفعل ذلك كثيرا في الحقيقة.
وتبعث هذه المحن النادرة على الدهشة بواقع الحال، وذلك بالنظر إلى الإضطرابات التي عانت منها الاقتصادات الناشئة في السنوات الأخيرة.
وصاحب انهيار الأسعار، الذي ضرب فنزويلا سلبا، تراجع حاد في تدفقات رؤوس الأموال إلى الاقتصادات الناشئة كان قد بدأ في 2011 وسرع خطاه في فترة “الغضب” التي سادت العام 2013. وكانت هناك 14 حالة لتراجع تدفقات رؤوس الأموال في السنوات الـ 200 الماضية، وفقاً لكارمن راينهارت من جامعة هارفرد وفنسنت راينهارت من “ستانديش ميلون لإدارة الأصول” وكريستوفر تريبيش من “معهد كييل للاقتصاد العالمي”.
إذا، ما الذي يفسر التخلف عن السداد هذا؟ ربما تكون بعض هذه التخلفات مخفية حقيقة. وربما تكون الصين، على سبيل المثال، قد أعادت جدولة أو جددت بعض قروضها الضخمة التي منحتها للاقتصادات الناشئة دون أن تعلن أبدا أنها سيئة. وفي الواقع، فقد تأخرت الصين عن تقديم القروض لفنزويلا.
وتتجلى الضائقة المادية الآن بطرق مختلفة، بحسب غابرييل ستيرني من “اقتصادات أكسفورد”، وهي شركة استشارية، وتقترض حكومات الاقتصادات الناشئة بشكل متزايد بعملاتها المحلية، وهذه لم تعد ترتبط بشكل وثيق بالدولار كما كانت العديد منها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الراحل، أو بالذهب كما كان الأمر في القرن التاسع عشر.
ومن الأسواق الناشئة الـ54 التي تتبعها ستيرني، كانت 11 منها فقط من تملك سندات بالعملة الأجنبية تبلغ قيمتها أكثر من 20 % من ناتجها المحلي الإجمالي، لذلك فإن التخلف عن سداد القروض بالعملة الصعبة ليس بذلك القدر من الأهمية والفائدة الذي كان عليه. وحتى وإن كانت دولة سيادية اقسمت بسداد جزءاً كبيراً من إلتزاماتها بالدولار، فارضةً خسائر جسيمة على الدائنين، فهي لن تدخر بذلك إلا نسبة كبيرة من المبالغ الصغيرة.
من ناحية أخرى، فإن تكاليف التقصير ثابتة إلى حد ما، والتخلف عن السداد يعامل معاملة منفصلة من الناحية القانونية، بحيث يمكن للتخلف عن سداد دين يشكل 10 % من الناتج المحلي الإجمالي أن يضر بسمعة الدولة بقدر ما يفعل التخلف عن سداد ديون تشكل نسبتها ضعف النسبة المذكورة.
وليست التكاليف ماليةً وحسب، فقد أوضح ستيرني في هذا الخصوص أن “عليك أن تفاوض لجان الدائنين. ويحتمل أن تثور جميع صناديق التحوط عليك، وهو أمر مؤلم في نهاية المطاف”.
وفي أعداد متزايدة من الأسواق الناشئة لم يعد بالإمكان تصور التخلف عن سداد الديون المقومة بالعملة الأجنبية بعد الآن.
وماذا عن الأوراق المالية بالعملة المحلية التي زادت أهميتها؟ في ضوء أن الحكومات تملك طباعة الأموال التي تدين بها على هذه السندات، ليس التقصير في السداد هنا من الناحية الفنية أمراً ضرورياً، ويشكل إنخفاض قيمة العملة والتضخم طريقة خفية لتبديد مطالبات الدائنين بطبيعة الحال.
وتقدم أوكرانيا مثالا مفيدا هنا، بحسب ستيرني، فقد ظهر على حاملي ديونها بالعملات الأجنبية، وأنهم سلموا من ويلات الحرب (بحيث تعوض مدفوعات القسائم الشخصية بشكل جيد الانخفاض بنسبة %15  في صافي القيمة المحلية لمطالباتهم)، ومن ناحية أخرى، فقد تكبد غير المحظوظين بالاحتفاظ بالسندات أو الودائع المقومة بالهريفنيا الأوكرانية خسائر بقيمة 30 % بالدولار، وفقا لحسابات ستيرني.
وعلى الرغم من أن التخلف عن السداد على السندات بالعملة المحلية ليس ضرورياً من الناحية الفنية، فهل هو مع ذلك أمر ممكن؟ تعتقد وكالات التصنيف ذلك، محتفظة بتصنيف الدرجة الأولى فقط لجزء صغير من السندات.
وحتى الأسواق المالية ترى بعض المخاطر الرئيسية للتخلف عن السداد، ووفقاً لكل من وينكسن دو من الاحتياطي الفدرالي وجيسي شرينر من كلية كولومبيا للأعمال، فإن العوائد التي طالبوا بها على هذه الأوراق الحكومية تعلو المعدل الضمني “الخالي من المخاطر” الذي يمكن احتسابه من مقايضة العملات.
وفي بعض الحالات، كما يجادل الاقتصاديان، فقد تفضل حكومة التخلف عن السداد على بدائل الاستهلاك والتضخم. ولنفترض، على سبيل المثال، أن شركات الدولة اقترضت بشكل هائل بالدولار، حتى وإن لم تفعل ذلك حكومة البلاد بنفسها. وفي هذه السيناريوهات، ربما يتسبب تراجع العمل بكوارث اقتصادية تكبر بكثير مجرد الإخلال رسمياً بالالتزامات الحكومية.
وتقدم فنزويلا هنا مرة أخرى مثالاً للإحتذاء به، فقد حافظت حتى الآن على المدفوعات بديونها المقومة بالعملة المحلية، مبقيةً على تصنيفها الإئتماني أقوى على صعيد هذه الإلتزامات مما هو عليه الحال بالنسبة للأوراق المقومة بالدولار. وفي الوقت نفسه، تمضي الدول في طريق وعرة مدمرة، لاسيما وأن الكثير من سكانها لا يستطيعون تحمل ما يكفي لتأمين غذائهم، في حين ينبغي تهريب الأدوية من كولومبيا، كما وخسرت عملة الدولة المحلية قرابة 60 % من قيمتها الشهر الماضي، وربما لا تكون الجمهورية تخلفت عن سداد ديونها وفوائدها المحلية، لكنها تخلفت بلا شك عن الإلتزام بعقدها الاجتماعي.

“الإيكونوميست”

مقالات ذات صلة

السوق مفتوح المؤشر 1803.88 0.11%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock