أفكار ومواقف

“الأسى ما بنتسى”!

من غير ما موعد اجتمعنا، فلسطينيين وأردنيين، ومختلطين يخبئون نابلس بقلوبهم ويشهرون جوازات سفر أقل بريقا في وجوه المشككين.
وكان ثمة عراقيون، سنة وشيعة، وأكراد وآشوريون. وتونسيون طيبون، يحلمون بالشرق القديم، صانع القادة والفاتحين، فيهتف محمد الهادي الجزيري كلما تسرب التراخي إلى أوصالنا “الأمة بخير يا إخوان”، بينما يهز الهادي الدبابي برأسه المميزة والتي ظللت أعتقد دائما بأنها تشبه رأس ميشيل فوكو.. ولا أدري لماذا!!
أما جلال الحبيب، فقد كان معلقا في تونس وهو يحاول أن يتخذ قرارا مصيريا فيما إذا كان يتوجب عليه السير في طريقه، أم التحول إلى طريق آخر يبدأه من قبل الصفر.
في حيز الغرفة الفندقية الكبير (جناح فندقي)، في المنصور ميليا، كانت أنفاس العراقيين، على اختلاف طوائفهم، مكتومة، بينما تعليقات المتوكل طه ومراد السوداني وعايد عمرو وإبراهيم جابر وخليل قنديل.. وأنا، وغيرنا آخرون، كانت تفيض عن مدى الجناح الفندقي وتذهب بعيدا لتشاغب فضاء منطقة الصالحية بأكمله.
كانت السهرة صاخبة، والضحك المحموم يملأ المكان، لكن أحدا لم يتوقع أن ينبري أحد “القوميين” ليقول إنه مؤيد راسخ لـ”حملة الأنفال”. لم يكن الوقت ولا المكان مناسبين. كان ثمة أديبان عراقيان كرديان بيننا. يا للهول!!
أحدهما، والذي جمعتني به علاقة طيبة، انتهز فرصة انشغال الحضور بمداخلة أخرى عقيمة للقومي العتيد، لينسحب باتجاه الشرفة المطلة على وزارة الإعلام والكنيسة التاريخية المهملة.
تسللت وراءه. كنت أعلم أن مداخلة رفيقنا القومي أصابته عميقا. غير أنني لم أظن للحظة أنني سأجده يبكي كما الأطفال.
حين رآني، رمى بنفسه بين ذراعي، وواصل إجهاشا مريرا اختلطت فيه الدموع بكلمات مبهمة بين العربية والكردية لم أستطع فهمها، وبآهات مريرة لم يكن قادرا على التعبير عنها بالكلام.
وأنا.. لم أطالبه بأي شرح أو توضيح. احترمت لحظة الضعف الإنساني تلك، وأخذته بين ذراعي فترة طويلة، منتظرا هدوءه وارتداءه قناعه اليومي الذي يقابل به الناس.
لكن ذلك لم يحدث، فما إن تمالك الرجل أنفاسه، حتى قادني إلى أحد المقعدين المتواجدين في الشرفة الصغيرة، وأجلسني بسرعة، ليبدأ بسرد حكايته التي بدأها بالقول: “هذا الرجل في الداخل مجرم وقاتل. حتى لو لم يقتل أحدا حتى الآن، فهو يمتلك جميع المقومات التي تؤهله لارتكاب جريمة قتل بدم بارد”.
لم أرد بشيء، لذلك تابع هو بانفعال واضح. حكى عن بيته الذي اخترقته قذيفة مدفع، فماتت أم وشقيقان على الفور، وجرح هو، بينما ضاعت شقيقته ذات العشرين عاما إلى الأبد.
الحكاية التي استغرق قصها أكثر من ثلاثين دقيقة، ما تزال محفورة في ذاكرتي، ومعها صورة الراوي الذي حاول في كثير من ثناياها أن يكون محايدا. لكن، هل ينفع الحياد مع العنف والدم والموت؟!!
لست أسأل لأقدم إجابة جاهزة، بل لكي أستقرئ جوانيتي حول الجواب المحتمل.
تلك كانت ليلة مؤلمة، اختبرت فيها مع صديقي الشاعر الكردي معنى أن تتألم، وأن يكون ممنوعا عليك أن تظهر ألمك. اختبرت كيف يمكن أن تكون مجبرا على أن تخرج إلى الشوارع لكي تهتف بطول العمر لقاتلك، وأن تقول “بالروح.. بالدم أفديك يا قاتلي”!! أليس هذا هو كل ما تدور حياتنا حوله!
تلك الليلة على كتف دجلة، حفرت عميقا في وجداني. لم تستطع ملامحها الانفلات من ذاكرتي رغم مرور أكثر من عشرين عاما.
في قريتي ملكا في الشمال الأردني الحزين، ثمة مثل متداول بكثرة، ربما بسبب ضغائن الحماوات تجاه الكنائن، لكنه بالتأكيد يعبر عما يمكن تسميته “مخزون الألم”. المثل يقول ببساطة “الأسى ما بنتسى”!
لكن، حين يكون الأسى مخلوطا بالدم والموت والاقتلاع من الأرض والتاريخ، فهو بالتأكيد سيظل محفورا كجرح غائر في القلب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock