آخر الأخبار حياتناحياتنا

الأعمال التطوعية لكبار السن.. إحساس يتجدد بالقدرة على العطاء

مجد جابر

عمان – بعد أن وصلت أم محمود الى سن التقاعد هي وزوجها، شعرت أن جلوسهما في البيت يطغى عليه الملل والرتابة والضجر بأحيان كثيرة، ذلك الشعور الذي لم يعتادا عليه منذ أكثر من 35 عاما انشغلا خلالها بالعمل، أما الآن فالشعور بعدم الإنجاز هو المتسيد.
لم يكن ذلك الشعور مستساغا لديهما، خصوصا بعد أن كبر الأبناء وأصبح لكل واحد منهم أسرته وحياته الخاصة، وبات الوقت يمر بطيئا، ولا شيء يحمله معه سوى الملل.
وفي إحدى المرات وهي تمارس رياضة المشي برفقة زوجها، التفتت لمنزل عائلة فقيرة جداً، وبعد التحدث مع أفراد هذه العائلة، اكتشفت حاجتهم الماسة لأبسط أساسيات الحياة، فعزمت هي وزوجها على تأمينها لهم، وكانت تلك البداية لهما بالأعمال التطوعية.
ومع الوقت، باتت أم محمود تبحث عن أكثر العائلات المحتاجة، وبناء عليه نظمت اجتماعا لسكان المنطقة من أجل جمع التبرعات والعمل على توزيعها بحسب حاجة كل أسرة، مبينةً أن كثيرا من سكان المنطقة أيضا طلبوا المشاركة في العمل والتوزيع.
تقول أم محمود إنه لا يوجد شيء أجمل من “العطاء” فهو يعطي شعورا بأن الإنسان ما يزال قادرا على الإنجاز ومساندة فئات محتاجة بالمجتمع ومساعدة العائلات والأطفال، واستثمار الوقت بما هو مفيد للناس.
وتضيف أنها الى جانب ذلك، لاحظت أن ذلك الأمر غير كثيرا من حالة زوجها، وأصبح أكثر إيجابية، واستطاع أن يوطد علاقاته مع سكان المنطقة، وينتظر قدوم اليوم الثاني لمباشرة العمل والخروج بأفكار جديدة.
في حين أن سماح عبد هي الأخرى انتابتها حالة من القلق والتوتر والخوف على والدتها التي تعاني من وحدة وملل، خصوصاً وأن طبيعة عملها السابق كمعلمة كانت تأخذ جزءا كبيرا من وقتها وتشعرها بالإنجاز على عكس ما تشعر به الآن.
لذلك، فكرت سماح أن تبحث لوالدتها عن متنفس تقضي فيه على وقت الفراغ، وتشعر بأنها ما تزال بقمة عطائها، حتى وجدت لها جمعية للنساء المتطوعات للمساعدة في أعمال مختلفة لخدمة المجتمع وسجلت والدتها بها وأقنعتها بتجربتها لمدة أسبوع.
وبعد فترة لاحظت سماح أن والدتها اندمجت بالعمل في الجمعية، وباتت تشارك في الأنشطة وكونت صداقات مع باقي السيدات، وهو الأمر الذي ملأ وقتها وأصبحت تعود للمنزل متعبة وتريد أن تنال قسطا من الراحة، لتبدأ يوما جديدا مفعما بالعطاء والإنجاز.
اختصاصيون اعتبروا أن كبار السن يمرون بأوقات صعبة حينما يتسيد الفراغ والوقت الطويل من دون إنجاز، أو عمل شيء مفيد، لذلك هم بحاجة كبيرة لأن يشعروا أنه ما يزال لديهم القدرة على العطاء والإنتاج، وتقديم خدمات وإن كانت تطوعية للمجتمع.
وفي ذلك، تذهب دكتورة الإرشاد التربوي والنفسي والمتخصصة في العلاقات الزوجية، سلمى البيروتي، إلى أن الإنسان عندما يكون منجزا ومعطاء طيلة أيام حياته، فإنه عمله يعطيه حافزا إيجابيا للتقدم أكثر، ولكن حينما يصل لسن التقاعد ويجلس في البيت، يشكل له ذلك صدمة كبيرة، لأنه اعتاد على الإنتاجية.
وتضيف البيروتي أن خدمة المجتمع عند كبار السن أمر بغاية الأهمية وينعكس إيجابا على نفسيتهم، كونهم بهذه الطريقة يشعرون أنهم ما يزالون محافظين على وجودهم ومساهمتهم وحاجة الآخرين لهم في المجتمع، كما أن إحساسهم بالإنتاجية يخلق لديهم شعورا رائعا.
وتلفت إلى أن الإنسان اذا لم يشعر أنه يقوم بشيء ما يسهم فيه بالمجتمع وأنه شخص منتج فإنه لن يشعر بالسعادة، مبينة أن السعادة مرتبطة بالإنتاجية والعطاء والانتماء للمجتمع.
الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، يعتبر أن المشكلة هي أن الشخص يصبح متقاعدا وهو ما يزال في سن العطاء، رغم أنه يفترض أن يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة، فالتقاعد لا يعني العجز إنما هو نهاية مرحلة لبداية أخرى جديدة مفعمة بالإنجاز.
ويعتبر مطارنة أن العمل التطوعي يضيف كثيرا لكل مراحل الحياة، فهو يمنح الإنسان السعادة والتفاعل، وينعكس إيجابيا على الإنسان ودوره الاجتماعي، مبيناً أن العمل التطوعي يجب أن يكون ثقافة مجتمعية على الجميع أن يكونوا جزءا منه.
ويعتبر مطارنة المتقاعدين، قوة وإضافة للمجتمع؛ إذ يملكون الخبرة والمعرفة، وبإمكانهم أن يقدموا الكثير بإمكانياتهم الكبيرة، لافتا إلى أنه من أفضل الوسائل التي قد يتجه لها من وصل إلى مرحلة التقاعد، البحث عن عمل تطوعي يعطيه إحساسا بوجوده وأهميته.
ويبين أن الكبير في السن لن يشعر بأنه فقد أهميته في المجتمع على الإطلاق حينما يكون ضمن مجموعة تطوعية تقدم خدماتها، فيبدأ من جديد ويقدم أعمالا جديرة بالتقدير والاحترام، ويشعر بأنه ما يزال يملك الحيوية والقدرة على العطاء، الى جانب أن له دورا اجتماعيا يساعد من خلاله المحتاجين ومن هم بحاجة في مجتمعه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock