صحافة عبرية

الأغلبية اليهودية هي الاعتبار الأساس في البناء بالقدس

هآرتس

بقلم: نير حسون

16/4/2021

ارنون غفني هو شخص غير معروف في تاريخ القدس. لا يوجد شارع أو ميدان على اسمه، وحتى ولا جسر صغير. ولكن غفني، الذي كان في السابق محافظ بنك إسرائيل، أثر على حياة عدد غير قليل من سكان المدينة على مدى السنين.
غفني هو مسؤول بدرجة معينة عن أحد المبادئ الأساسية التي شكلت وجه العاصمة. في 1972، بكونه المسؤول عن الميزانيات في وزارة المالية، تولى رئاسة اللجنة التي تشمل عدة وزارات لتمويل الزيادة المطلوبة في القدس. في مركز اهتمام اللجنة كانت تقف مسألة “الأغلبية اليهودية”، أي ما الذي يمكن فعله من أجل الحفاظ عليها وتعزيز الأغلبية اليهودية، 73.5 في المائة من اليهود في المدينة. وقد كانت للجنة توصية واحدة وهي تسريع البناء لصالح اليهود. وحكومة غولدا مئير تبنت هذه التوصية كسياسة تخطيط في المدينة.
إن صدى القرار شعر به بعد سنوات كثيرا عوفر غريدنغر، الذي فضل مؤخرا ترك منصبه كرئيس لقسم التخطيط في بلدية القدس، وهي وظيفة تولاها مدة عقد تقريبا. “لدي شعور بأن أحد العوامل التي أثرت على نظام التخطيط في القدس أكثر من أي عامل آخر، هو العلاقة الرقمية بين اليهود والعرب”، قال في مقابلة مع “هآرتس”. “هذا الاعتبار يؤثر على قرارات التخطيط حتى بدون أن يكون موجودا على الطاولة بصورة علنية”.
غريدنغر يتحدث عن “صيغة”. وحسب قوله فانه “توجد علاقة بين حجم المجموعات السكانية. وهذا يؤدي إلى أن ينشأ ضغط عال، الذي هو جزء من الاعتبارات للمصادقة على بناء وحدات سكنية كثيرة في غرب المدينة”.
الجزء الأول من المعادلة يوجد في الطرف الثاني، في شرقي المدينة. هناك توجد له مظاهر واضحة: مجموعة سكانية لا تهاجر، مع زيادة طبيعية كبيرة، تحتاج إلى حلول سكنية في مناطق ترفض الدولة توسيعها. هكذا تم بناء أحياء مكتظة وغير منظمة، لكن ايضا يزداد الضغط لتوسيع مستمر لحدود المدينة، وإضافة وحدات سكنية بشكل واسع وسريع في غرب المدينة. أحد الأمثلة الحديثة على ذلك هي خطة البناء في ريكس لفان، التي توجد في مركز صراع جماهيري حازم أمام منظمات ونشطاء خضر. “طالما أننا لم نقم بحل مشكلات شرقي القدس فلن نحل مشكلة غربي القدس”.
غريدنغر (59 سنة) هو مخطط مدن في مهنته، في مقابلة أولى يشير إلى القوى الخفية، العقبات والعلاقات الواسعة لتخطيط المدينة. الصراع الأكثر اشتعالا في تخطيط القدس في السنوات الأخيرة يتعلق بتوسيع المدينة، ليس فقط بسبب الحفاظ على النسبة أمام السكان غير اليهود.
صراع وإلى جانبه علامة استفهام: لماذا يجب على مساحة القدس أن تكبر طوال الوقت؟ في أماكن أخرى في العالم هناك عدد كبير من المدن الكبرى التي تنجح في أن تسوي أمورها بدون أن تزيد مساحة ولايتها القانونية البلدية طوال الوقت. باريس، مثلا، عدد السكان فيها أكثر من ضعف عدد سكان القدس. ولكن مساحة المدينة أصغر. حسب أقوال غريدنغر “لا يمكن المقارنة، الزيادة عندنا أسرع بكثير، ونحن لم نقم في أي يوم بالبناء بشكل مكتظ مثلما في أوروبا. باريس مبنية باكتظاظ أكبر بكثير مما في القدس”.
“ايضا موضوع الاكتظاظ يجب تفكيكه”، يواصل غريدنغر، “شرقي المدينة مبني بصورة غير مكتظة، بسبب تخطيط غير ناجع. السكان المتدينون يرفضون الصعود إلى الطوابق العليا ويطلبون الاعتراف بخصوصيتهم. أيضا الأحياء التي بنتها وزارة الإسكان في المدينة خلال السنين، بنيت باكتظاظ غير عال، بما في ذلك جبل أبو غنيم الذي كان الأخير. وحسب قوله، ادراك أن الاكتظاظ يجب أن يكون أكبر هو الحكمة للسنوات العشر الأخيرة. “لقد انشأنا مدينة يصعب جدا إصلاحها، وفي هذه الأثناء نحن بحاجة إلى وحدات سكنية”، وأضاف، “بعد ذلك نشأ ضغط من أجل توسيع المدينة نحو الخارج”.
ولكن هنا دخلت إلى الصورة الجهات الخضراء ومخططون مختلفون يحذرون من أن توسيع القدس، مثلا باتجاه ريخس لفان (منحدرات هداسا)، سيسرع تحويلها إلى مدينة هوامش، دون فضاء بلدي متواصل من النوع الذي لا يمكن التحرك فيه دون استخدام السيارة. كل ذلك على حساب مناطق خضراء ونادرة تخدم سكان المدينة.
من يعارضون توجه التوسيع الحالي يوجد لهم اقتراح بديل: اكتظاظ المدينة بواسطة تحديث بلدي. ولكن غريدنغر قال إن “اخلاء المباني هو أمر معقد جدا”، يخفف الحماس. صحيح أنه حتى الآن، رغم أن القدس تتفاخر بالكثير من خطط التحديث، إلا أن الحديث يدور حول مشاريع طويلة المدى تجد صعوبة في مواجهة وتيرة الزيادة الطبيعية. “التجديد يستغرق سنوات كثيرة بسبب أنه دائما من الأكثر تعقيدا التخطيط داخل المدن مقارنة مع المناطق المفتوحة”. ويشرح “هذا مقرون بالكثير من التنظيم والعمل المجتمعي والاجتماعي لاخلاء السكان”.
إحدى العقبات الاشكالية جدا في الطريق إلى زيادة الاكتظاظ هي المواصلات، بالاساس الاعتماد على السيارات الخاصة. من أجل تحويل القدس إلى مدينة ذات تخطيط أكثر ذكاء، يجب جعل سكان القدس يتنازلون عن سياراتهم.
ولكن هذه مهمة أصعب بكثير من هدم تلة خضراء أخرى، وبالتأكيد عندما يدور الحديث عن مدينة تمتد على مساحة كبيرة والمواصلات العامة فيها غير كافية. “يجب أن توضع على الطاولة حاجة المدينة إلى مواصلات عامة ناجعة والتنازل على السيارات الخاصة في بعض الأماكن”، أشار غريدنغر. “نحن لسنا ضد عائلات أو ضد حرية أن ينتقل الأشخاص من مكان إلى آخر. ولكن من أجل أن تعمل المدينة بصورة سليمة. إذا اعتمدت المدينة على السيارة الخاصة فهي ستعلق. ولكن في الطريق إلى تحقيق هذا الهدف يوجد عائق. “المواصلات العامة يمكن اقامتها فقط في مناطق بلدية مكتظة”، أشار غريدنغر. “فقط في المكان المكتظ يمكن بناء سكة حديد وشبكة حافلات ناجعة”.
يحتلون ارتفاعا
في الثمانينيات والتسعينيات كان البناء العالي هو أحد المواضيع الساخنة جدا في القدس. صراعات قوية اندلعت حول خطط بناء أبراج سكنية بذريعة أن الحفاظ على المشهد الطبيعي وخط الأفق هو جزء جوهري من خصائص المدينة. “النقاش حول البناء العمودي في القدس تم حسمه منذ فترة”، قال غريدنغر. “لا يوجد مناص من بناء الأبراج”.
في السنوات الأخيرة تم بناء في العاصمة المزيد من المباني العالية. وهناك خطط لعشرات المباني التي تتكون من 18 – 30 طابقا، عدد منها حتى أعلى من ذلك. الأبراج تطرح كحل لحاجة المدينة إلى التوسع. ولكن الحديث يدور عن حل بعيد عن أن يكون كاملا. لأن الابراج السكنية غريبة عن الشارع وتخلق تجمعات سكنية مغلقة. إضافة إلى ذلك، بسبب الحاجة إلى إبعاد الأبراج عن بعضها، فان عدد الوحدات السكنية بالنسبة للمساحة يشبه البناء الأكثر انخفاضا.
“من ناحية اجتماعية هناك سؤال هو هل نحن لا نقوم بتفكيك تجمعات قائمة عن طريق بناء أبراج؟ تساءل غريدنغر، “هناك نسبة معينة من السكان لا تستطيع تحمل نفقات السكن في أبراج. البرج يمثل أيضا أفضلية لمجموعة سكانية معينة، هو يفصل بين مجموعة سكانية عامة والمجموعة السكانية الأصولية، حيث أن الاخيرين لا ينتقلون للسكن في أبراج.
غريدنغر يعتقد أنه رغم النجاح الذي حققه من يؤيدون البناء المرتفع، إلا أنه يجب الحذر من الأبراج، خاصة في نقاط حساسة في المشهد الطبيعي. “هناك برج يخطط له قرب جبل هرتسل، 40 – 50 طابقا. هذا برج سيحجب المشهد المقدسي، ويحجب جبل هرتسل و”يد واسم”.
إن مصطلحات التخطيط الناجع والقدس يمكن أن يُسمع فيها تناقض داخلي. بالتأكيد في مدينة لا يوجد فيها مخطط هيكلي حديث. وسبب ذلك هو أنه في حينه رفض وزير الداخلية، ايلي يشاي، التوقيع على مخطط هيكلي تم إعداده بعد أن اقنعه أعضاء اليمين بأن هذا المخطط يبالغ كثيرا في إعطاء إمكانيات بناء للعرب. “إن قرب السياسة القطرية من السياسة المحلية يؤثر على اجراءات التخطيط في القدس”، قال غريدنغر. “حكومة إسرائيل لا يمكنها من جهة أن تواصل تطبيق السيادة الإسرائيلية على كل مناطق المدينة، ومن جهة أخرى أن لا تخصص كل الموارد. إذا كان شرقي القدس يوجد تحت سيادة إسرائيل، فحينها يجب تمكينها من الوجود والتوسع وانشاء اقتصاد. أنت لا يمكنك أن تقول هذه لنا، لكننا لا نسمح بذلك”.
على هذه الخلفية، أحد المخططات الكبيرة التي يتفاخر غريدنغر بها هو المخطط الهيكلي الجديد لقرية العيسوية. وهي إحدى القرى الصعبة جدا في القدس، التي معظم البيوت فيها بنيت بدون تراخيص وبدون تخطيط. “لقد ادركنا أنه لا يمكن عمل مخطط واحد لكل القرية، بل عدة مخططات تعالج كل قطعة على حدة. قمنا بتقسيم القرية على عشرات الأجزاء الصغيرة. 3 – 4 مبان في كل جزء. السكان يجب عليهم الانتظام معا وأن يقدموا مخطط بناء والحصول على رخصة بناء في عملية سريعة. لم نجد أي شيء شبيه بذلك في الدولة”. وربما بالتحديد من شرقي المدينة ستأتي البشرى. “إذا نجح الأمر في العيسوية فهذا سينجح في قرى أخرى”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock