فنون

الأغنية في السينما العربية

   تستوقفني ظاهرة استقطاب المطربين الى السينما, فما ان يلمع اسم مطرب حتى تجد السينما قد تلقفته في محاولة للاستفادة من شهرته في الغناء. ومن ينظر الى واقع الحال ايام زمان وايامنا هذه يجد ان هذا الاستقطاب لم يعد بالزخم السابق, ففي الوقت الذي كانت فيه الافلام الغنائية او الاستعراضية تحقق ارقاماً قياسية في الايرادات والحضور فإنها اليوم بالكاد تحقق اكتفاءها الذاتي, وبالكاد تنجو من صالات العرض بأقل الخسائر, وان كان من سبب لذلك فقد يعود الى غياب المطرب النجم الذي يحظى بإجماع المشاهدين, ناهيك عن سوء توظيف الموهبة الغنائية في سياق الفيلم, فتجد الاغنية في واد وقصة الفيلم في واد اخر.


تعود هذه الظاهرة الى بدايات تبلور الفن السابع اذ استقطبت السينما العربية اغلب نجوم الطرب العربي: محمد عبد الوهاب, فريد الاطرش, ليلى مراد, محمد العزب, عبد الحليم حافظ, شادية, وردة الجزائرية, محرم فؤاد, صباح, فهد بلان, وغيرهم ممن استفادت السينما من نجوميتهم في الغناء فقدمتهم في افلام لاقت تجاوباً وترحيباً من الجمهور, بعد ان تم استثمار الاغاني الشائعة في الافلام مما اكسبها جماهيرية, وبدا الغناء متداخلاً مع الدراما السينمائية, لدرجة ان الكثير من المطربين نجحوا من خلال الادوار التي جسدوها, وليس لجمالية اصواتهم, او لشعبية اغانيهم, ويعود ذلك الى عناية مقدمي تلك الافلام في وضع الاغاني في سياقها, وبما يتناسب مع احداث الفيلم, مما زاد من نسبة التفاعل مع الاغاني المقدمة.


   نستشهد على ذلك بأغاني ليلى مراد في فيلم “غزل البنات”, ومحمد العزب في فيلم “اجازة نصف السنة”, وفريد الاطرش في فيلم “نغم في حياتي”, ففي جميع هذه الافلام غابت الفواصل بين الاغاني وسياق الفيلم, وبين جمال الصوت ودقة الاداء, فانصهرت كافة هذه العوامل محققة افلاماً لا تنسى, ولعل الصورة لا تكتمل الا عند الوقوف عند رائعة المخرج حسين كمال في فيلم “ابي فوق الشجرة” للراحل عبد الحليم حافظ, فقد جاءت اماكن التصوير وجماليات التكوين, وتوظيف الاضاءة تعبيرياً لتضفي زخماً اضافياً للاغاني المقدمة, فعبرت الاغاني التي وردت في بداية الفيلم “قاضي البلاج”, و”دقوا الشماسي”, عن فرحة الطلبة بعطلتهم الصيفية, ثم اخذت الاغاني تأخذ منحى اخر, تجلى في اغنية “يا خلي القلب” التي يعبر من خلالها عبد الحليم عن مشاعره نحو محبوبته (ميرفت امين) فكانت اصدق من اي كلام او حوار, ولتواصل الاغاني تعبيرها الدرامي في الفيلم, فنصل الى اغنية “جانا الهوا” التي صورت في اجمل المواقع في لبنان, ولتعبر عن انخراط عبد الحليم في علاقته مع راقصة في ناد ليل (نادية لطفي), ولتصل الاغاني الى ذروة الحدث الدرامي في اغنية “احضان الحبايب” حين غناها عبد الحليم بعد ان شعر بضياعه في علاقته مع الراقصة, وما تخلل ذلك من معايشته لحياة الليل, وبعد ان ابتعد عنه الاصدقاء وشعر انه وحيد, وقد اعطى كل ذلك زخماً للاغنية زاد من درجة التفاعل معها اكثر مما لو تم الاستماع لها خارج سياق الفيلم.


    وقد استفادت السينما من تجربتها على هذا الصعيد وواصلت استقطاب المطربين في افلام سينمائية, وظل الاقدر على ذلك, بعد موجة افلام ايام زمان, المخرج يوسف شاهين فقدم ماجدة الرومي في فيلم “عودة الابن الضال” ومحمد منير في فيلم “المصير” ولطيفة في فيلم “سكوت حنصور”, وبدت الاغاني في هذه الافلام خلفية معبرة عن الحدث وليست جزءاً من سياقه بل هي ذات طابع ايحائي, والاهم من ذلك انه لا علاقة ما بين صاحب الدور وصاحب الصوت, فماجدة الرومي لعبت دوراً جميلاً في فيلم “عودة الابن الضال” اكتسب تأييد وتقدير الجمهور, وذلك بمعزل عن جمال صوتها, والامر ذاته ينطبق على محمد منير ولطيفة.


    هذا, على الصعيد الايجابي في التوظيف السينمائي للاغنية, ولكن, وعلى صعيد اخر فقد هبطت الى دور السينما افلام يحار المرء في تصنيفها: اهي “فيديو كليب” طويل ام افلام سينمائية, فقد بدت الافلام الدارجة, واخص بالذكر افلام مصطفى قمر ومحمد فؤاد, وكأنها تقاس على مقاس المطرب, اي ان الاحداث تقوم بمعزل عن الاغاني التي يغنيها المطرب, فبدت بعض تلك الاغاني مبتورة لا علاقة لها بالفيلم, بقدر ما تضفي نرجسية على المطرب الذي يفترض بالمشاهد ان يتضامن معه سلفاً باعتباره “صاحب الصوت الحلو والوجه الحسن”.


ومن الافلام التي بلغ فيها الاسفاف مداه فيلم محمد فؤاد الاخير “هو فيه ايه” فالفيلم بلا قصة محددة, سوى ان ثمة شخصين (محمد فؤاد واحمد ادم) يتعرضان ليلة زفافهما لمواقف غريبة يعتقدان انها فكاهية, ثم يتم اقحام الفيلم بإشارات سياسية غير مترابطة, وذلك عندما يتورطا مع شبكة مخدرات, ويتمكنا, في النهاية, من التبليغ عنها للاجهزة الامنية.


   الفيلم ركيك وساذج والملاحظ فيه ان محمد فؤاد نسي انه مطرب واندمج في دوره الكوميدي, ولان الدور لا يناسبه فقد كشف ذلك عن عيوبه في التمثيل.


واضح ان الفيلم تم على امل استرجاع النجاح الذي كان قد حققه فيلم “اسماعيلية رايح جاي” الذي شارك فيه الى جوار محمد فؤاد الفنان الكوميدي محمد هنيدي, ولهذا الفيلم قصة, فقد حقق نجاحاً ملفتاً وغير متوقع, ويعتبره النقاد نقطة تحول في السينما المصرية من التنوع في مضامين الافلام الى التركيز على الكوميديا, وكان بوابة العبور الفعلية لـ محمد هنيدي الى البطولة المطلقة. وقد ظل محمد فؤاد مسكونا بالنجاح الذي حققه فيلمه آنذاك, فحاول ان يكرر النجاح في فيلم “رحلة حب” وقد استعان به ايضا بممثل كوميدي, وهو أحمد حلمي, دون جدوى.


الملاحظ هنا انه اذا كانت الكوميديا هي التي اسعفت الفيلمين الاولين فحققت حضوراً لدى الجمهور, فإنها, اي الكوميديا, هي التي خذلت فيلم “هو فيه ايه” بعد ان تم الاعتماد عليها دون سياق, ففقد المخرج البوصلة وظهر الفيلم عبارة عن اسكتشات غير مقنعة قائمة على التهريج والمقدمة على طريقة الفيديو كليب.


   ولا يمكننا ان نتجاهل على هذا الصعيد فيلم “سبع ورقات كوتشينة” للمغنية روبي فالمخرج لم يفعل شيئاً سوى انه اتى بأغاني روبي المتاحة في الفضائيات وجمعها بلا سياق وبلا حبكة ليصنع منها فيلماً سينمائياً, وعلى الرغم من الدعاية المجانية التي قدمت للفيلم على اثر الجدل الذي دار حول بعض المشاهد الساخنة والايحاءات الجنسية والذي حسم لصالح الموافقة على عرض الفيلم، بعد حذف بعض المشاهد التي لم يوافق عليها الرقباء واعتبروها مسيئة للمرأة, وعلى الرغم من الاغواء الذي مارسته روبي عبر الفضائيات بأغانيها التي تسقط فيها الكلمة واللحن ولا يظل الا ما هو رخيص ،على امل استقطاب شريحة معينة من الجمهور, على الرغم من كل ذلك فقد سقط الفيلم, والاهم من ذلك حصول “روبي” على لقب “الاسوأ” عام ,2004 حسب استفتاءات مصرية اجريت مؤخراً!!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock