ترجمات

الأفغان بعد سيطرة طالبان: هل يخشى المجتمع الدولي مساعدة البلد؟

شامل شمس؛ ومسعود سيف الله – (دويتشه فيله) 4/1/2022

على الرغم من الفقر الذي تعاني منه أفغانستان، انقسم المجتمع الدولي حول دعمها بالمساعدات خشية أن يؤدي ذلك إلى تقوية حركة طالبان. فماذا يحمل العام 2022 لهذا البلد الذي مزقته الحروب؟

  • * *
    سيظل الخامس عشر من آب (أغسطس) 2021 محفورا في أذهان الأفغان، إذ طوت أفغانستان في ذلك اليوم صفحة الحكومة برئاسة الرئيس أشرف غني، بعد أن أطاحت بها حركة طالبان التي سيطرت على زمام الأمور في هذا البلد الفقير الذي مزقته الحروب.
    وقبل إحكام طالبان قبضتها على أفغانستان مرة أخرى، كان انسحاب القوات الأميركية وجنود حلف شمال الأطلسي (الناتو) من البلد، وسط آمال بقدرة الجيش الأفغاني على صد أي هجوم لطالبان بعدما أنفقت الدول الغربية مليارات الدولارات على تدريب عناصر الجيش الأفغاني.
    بيد أن سقوط كابول في أيدي طالبان جاء من دون أدنى مقاومة تُذكر من الجيش الأفغاني، لترفع الحركة علمها فوق القصر الرئاسي في العاصمة، ويحتفل أنصارها بسقوط “الإمبريالية”، فيما تعهد قادة الحركة ببدء حقبة من الاستقلال والاستقرار.
    ولكن، بعد أربعة أشهر، سعت طالبان بشكل متكرر إلى طلب المساعدة من الولايات المتحدة مع انهيار اقتصاد أفغانستان، وأصبح خطر المجاعة يهدد الملايين من الأفغان. وفي تعليقها على ذلك، حذرت منظمة الـ”يونيسيف” التابعة للأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) من أن ارتفاع معدلات الفقر مع توقف إيصال المساعدات، سيؤدي إلى “أزمة كبيرة” في أفغانستان.
    وفي مقابلة مع  صحيفة “دويشته فيله” الألمانية، قالت رئيسة الاتصالات في اليونيسف في أفغانستان، سامانثا مور، إن ما يقرب من نصف سكان أفغانستان -أي قرابة 23 مليون شخص- باتوا في “حاجة ماسة إلى المساعدة، وهذا العدد الكبير يعد استثنائيا، وهو ما يؤكد أن هناك أزمة سريعة التطور والتغير التي تشمل الجميع هي الآن قيد التكوين”.
    وباعتبارها أحد داعمي طالبان، نظمت باكستان، مؤخرا، اجتماعا لدول “منظمة التعاون الإسلامي”، كان مخصصا لبحث الأزمة الإنسانية في أفغانستان، فيما يعد أكبر مؤتمر يعقد بشأن أفغانستان منذ سيطرة طالبان على زمام الأمور في آب (أغسطس).
    وعلى الرغم من إشادة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بجهود باكستان في دعم أفغانستان، إلا أنه لم يفصح عن خطط بلاده لتحقيق الاستقرار للاقتصاد الأفغاني.
    زيادة معاناة الأفغان
    وفي ضوء كل هذه الجهود والمناشدات، يبقى الوضع على الأرض في أفغانستان قاتما، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية التي لم تكن في أحسن حال حتى قبل سيطرة طالبان.
    ولكن، مع إحكام طالبان قبضتها على أفغانستان، تفاقمت الأزمة أكثر ما دفع بعض الآباء إلى الإقدام على بيع أطفالهم كما كان الحال مع محمد إبراهيم الذي يعيش في كابول، إذ لم يجد أي خيار سوى بيع طفلته الجميلة التي لم تتجاوز عامها السابع لسداد الديون. ولم تكن مأساة إبراهيم المتمثلة في بيع فلذة كبده سوى لمحة عن الأزمة الإنسانية التي تعيشها أفغانستان، خاصة مع تهاوي قيمة العملة المحلية.
    وفي ذلك، قال شيرجان أحمدزاي -الخبير في الشأن الأفغاني والمقيم في الولايات المتحدة- إن العام 2021 كان سيئا بالنسبة للاقتصاد الأفغاني الذي اعتمد بشدة ولأعوام طويلة على المساعدات الخارجية وتواجد القوات الأجنبية في البلاد.
    وفي مقابلة “دويتشه فيله”، أضاف: “العملة الأفغانية فقدت قيمتها فيما جلب تغيير النظام الحاكم في البلاد المزيد من البؤس إلى أفغانستان”.
    وفي ظل هذا الوضع البائس، خرجت تحذيرات من خطورة خروج الأزمة في أفغانستان عن نطاق السيطرة. وشددت مريم السادات -وهي عضوة سابقة في البرلمان الأفغاني- على أنه في حال استمرار الوضع الحالي، “سوف تزيد معاناة عامة الناس أكثر وأكثر”. وأضافت: “سوف ينكمش الاقتصاد أكثر وسيرتفع معدل الفقر ما لم يقدم المجتمع الدولي على مساعدة الشعب الأفغاني”.
    تآكل حقوق الإنسان
    ويبدو أن المجتمع الدولي ما يزال عاجزا عن حل إشكالية تتمثل في تقديم المساعدات لأفغانستان، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى إضفاء شرعية على نظام طالبان.
    وقد شهد مطلع الشهر الحالي انفراجة حين أعلن البنك الدولي أن الجهات الدولية المانحة وافقت على تحويل مبلغ 280 مليون دولار (247 مليار يورو) من صندوق ائتماني خاص بأفغانستان مجمدة أمواله إلى برنامج الغذاء العالمي ومنظمة اليونيسيف، لتمويل جهود الأمم المتحدة في مجالات الغذاء والصحة في أفغانستان.
    وكانت طالبان قد حثت المجتمع الدولي على الاعتراف بحكمها، والإفراج عن أصول أفغانستان المجمدة في المصارف الأجنبية. غير أن الدول الغربية تريد من طالبان تحسين أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان والتعهد بحماية حقوق النساء والفتيات، خاصة في ظل أوضاع مأساوية تعيشها المرأة الأفغانية وسط قرارات طالبان المناهضة لحقوق المرأة، والتي كان أحدثها حظر ركوب غير المحجبات سيارات الأجرة.
    وفي هذا الصدد، قالت شابنام صالحي -المفوضة السابقة في لجنة حقوق الإنسان المستقلة في أفغانستان-  إن النصف الأخير من العام 2021  ”كان مروعا بالنسبة للأفغان فيما يتعلق بحقوق الإنسان”.
    وفي مقابلة مع  “دويتشه فيله”، أضافت: “لقد فقد الأفغان، خاصة النساء، الكثير من الحقوق الأساسية. وخلال العام المقبل، سوف يزداد الوضع سوءا إذا استمرت الأوضاع على ما عليه الآن”.
    المساعدات أولا
    ورغم الضغوط الدولية، يبدو أن طالبان غير مستعدة لتغيير نمط إدارة شؤون البلاد، ما يثير تساؤلات حول إلى أي مدى سوف يستمر المجتمع الدولي في تجاهل معاناة الشعب الأفغاني.
    وفي سياق متصل، ذكر بعض الخبراء الأفغان أن معاناة الشعب الأفغاني ليست وليدة اللحظة، لكنها تفاقمت عقب سيطرة طالبان.
    وعن ذلك، قال ذكر الله زكي -الذي يحاضر في جامعة كابول-  إن أفغانستان “كانت تعاني حتى قبل وصول طالبان إلى السلطة في آب (أغسطس). وسوف تستمر هذه المعاناة لأعوام عدة”.
    بيد أن الخبراء يسلطون الضوء على مسؤولية الدول الغربية تجاه دعم الشعب الأفغاني مع المضي قدما في الضغط على طالبان. وفي مقابلة مع “دويتشه فيله”، أكدت النائبة البرلمانية الأفغانية السابقة، شكرية باركزاي، أن الدول التي تربطها علاقاتها جيدة مع طالبان ليست راضية وسعيدة بالوضع الحالي في البلد. لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه يتعين على “المجتمع الدولي التعامل مع الأزمة الإنسانية في أفغانستان أولا، خاصة وأن الشعب الأفغاني بدأ في فقدان الثقة بالمجتمع الدولي”.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock