أفكار ومواقف

“الأقاليم”.. ضحية سياسية!

في الخامس من شهر تشرين الاول الماضي كان خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة، ويومها تحدث الملك عن إعادة دراسة توصيات لجنة الاقاليم وطلب من الحكومة أن تقوم بما يلزم حتى تعديل التشريعات لإحياء الفكرة.


لكن الحكومة لم تفعل شيئا ملموسا حتى ان الملك في لقائه قبل يومين مع عدد من الشخصيات الاردنية وكما سمعه الاردنيون على التلفزيون اشار الى ان شيئا لم يحدث, وربما كان لدى الحكومة اجراءات غير معلنة، لكننا جميعا لم نسمع بها ولم تصل الى رأس الدولة.


وقبل ان ندخل في تفاصيل فكرة الاقاليم لا بد ان اشير الى ان هذه الفكرة وحتى توصيات اللجنة تم التعامل معها في اطار سياسي وتم “تجنيدها” في معركة الاستقطاب السياسي باعتبارها فكرة فلان او علان. ولهذا كانت عملية المماطلة حتى في تجسيد ما امر به الملك في خطاب العرش. وهناك من تحدث بحسن نية عن مخاوف سياسية من انها فكرة مرتبطة بحلول إقليمية، لكن البعض قصد سياسيا ان يعطيها ابعادا سياسية خارجية وربطها حتى بأفكار لتقسيم العراق والخيار الاردني في فلسطين والعراق، وذلك حتى يتم رفضها في سياق الحفاظ على هوية الدولة ومقاومة الاستعمار!


وسمعنا، ايضا، عن افكار بأن الاقاليم قد تخلق زعامات في الجنوب والوسط والشمال، وهذا غير مطلوب، لان للبلاد زعيما ورمزا واحدا، وكأن الاقاليم ستفعل مالم تفعله مقاعد في مجالس الامة والحكومات، وحتى رئاسة الحكومات، التي لم تصنع هذه الزعامات، بل كرست منهجية الموظف.


وايا كانت الاحاديث فإن هذه الفكرة دفعت ثمنا سياسيا، لهذا كانت محل اهمال او مماطلة في التجسيد، لكنها في حقيقتها ليست فكرة لتغيير التاريخ، بل لا تختلف عن “أفكار اللامركزية”، التي تم طرحها في عقد التسعينات، والهدف الاساسي ليس سياسيا، اي لن يُجزّأ الاردن، ولن يكون جزءا من مشروع اميركي لتقسيم العراق وإلحاق الضفة بالاردن، لكنها فكرة لاعطاء ابناء المحافظات قدرة وصلاحيات واسعة في دراسة حاجاتهم التنموية، واقرار الخطط والبرامج التي تصلح لمناطقهم، وتوفير الموازنات اللازمة لتسريع التنمية في المحافظات ليكون اهل المناطق هم اصحاب القرار في اقرار ما يحتاجون ومتابعة الانجاز، وهذا قد يعالج مشكلة تاريخية، وهي وجود مناطق مظلومة تنمويا وخدماتيا.


ولعل هذه الفكرة ترفع عبئا خدماتيا عن مجلس النواب لأن القرار التنموي سيكون في المحافظات، ولهذا لن يتم إنفاق وقت طويل في عمان لإقناع الحكومة بتبني مشروع او خدمة في منطقة لان القرار سيكون لاصحاب المنطقة وابنائها.


اما التفاصيل، وكيف نحقق الفكرة فهذه لابد من دراستها، وهناك توصيات لجنة الاقاليم، وهناك من يرى الحل في توسيع صلاحيات المحافظ ليكون على رأس العملية التنموية، عبر صلاحيات واضحة ومؤهلات وموازنة تنموية، واصحاب هذا الرأي يرون أن تكون المحافظة هي الوحدة التنموية وليس الاقليم، وهناك من يطالب ان تكون مجالس الاقاليم منتخبة، ومن يرى ان تكون مجالس الاقاليم برلمانات محلية، ويضاف الى هذا افكار كثيرة كلها محل احترام وتقدير ومن يحسم الخيار النهائي هو البحث والدراسة والقانون الذي سينظم الامر ويقره مجلس الأمة.


من الطبيعي ان يكون الخلاف على التفاصيل، لكن ليس من الطبيعي ان تعيش هذه الفكرة التنموية في حالة سبات وتخزين في الادراج، والحكومة التي لم تفعل شيئا منذ خطاب العرش عليها أن تبدأ بأداء واجبها والعمل على تجسيد الفكرة، واذا كانت ليست مقتنعة بهذه الفكرة فلتعلن ذلك الا اذا كان تعاملها الواقعي مع الفكرة منذ شهور طويلة هو الاعلان عن رفض الفكرة.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الاقاليم وما أدراك ما ألاقاليم..!!!
    من خلال خبرتي الميدانية في سلك الامن العام على مدى 26 عاما جلت فيه في كل شبر في المملكة , وأستطيع ان أدعي انني اعرف طبيعة التركيبة السكانية في المملكة … فإني أعلن ومن على هذا المنبر الحر انني لااوافق على تقسيم المملكة الى اقاليم مهما كان عددها ومنحها سلطات مركزية كاملة واستطيع ان اكتب مجلدا ان لم يكن مجلدات حول هذه المسألة , ولابد من التأني وإعادة طرح الفكرة للنقاش العام على كل المستويات … وفي كل وسائل الاعلام والاتصال لأن التراجع عن هذا القرار بعد تجربته ميدانيا سيشكل نكسة وصدمة للجميع سائلين ومسؤولين .. حاكمين ومحكومين – ولربما أكون مخطئا في تقويمي لهذه المسألة التي لاتحتمل الفشل- ! وانا مع الرأي الذي يميل نحو ابقاء التقسيمات على ما هي عليه ومنح المحافظين صلاحيات اوسع في محافظته … وأعتقد ان لمصر الشقيقة تجربة جيدة في موضوع الحكم المحلي … طبعا مع اعادة النظر في التقسيمات الادارية واعادة النظر في حدود مناطق الاختصاص على ضوء عدد السكان والواجهات العشائرية والتجمعات السكانية وغيرها من العوامل التي يعرفها القائمون على هذه المسألة في وزارتي الداخلية والبلديات – التي من الافضل جعلها وزارة واحدة كما هو الحال في لبنان-, وسيكون من الافضل لو اختير المحافظين من الوزراء السابقين المشهود لهم بحسن الادارة والسمعة الطيبة . ولقد مر الاردن بهذه التجربة في العام 1966 وفي عهد الرئيس الشهيد وصفي التل عندما إختار المرحومين ضيف الله الحمود لعمان, وانور الخطيب للقدس … ولا زلت اذكر القوة التي كان يتمتع بها اخي الاكبر ضيف الله في محافظة العاصمة مع ثقة بالنفس وبدعم من جلالة الملك ورئيس الحكومة ووزير الداخلية وقد انتقل منها الى وزارة الداخلية في تعديل على حكومة بهجت التلهوني على الرغم من خلافاتهما بناء على اعجاب من سمو الامير حسن الذي اقترح توزير ايي محمود تكريما لانجازاتة في المحافظة ….! ولماذا لانكرر التجربة وبلدنا مليء بالكفاءات وألاداريين المشهود لهم بذلك – مع احترامي لكل الموجودين اليوم في مراكزهم – . للتذكير فقط خدمة لله وللملك والوطن !!!

  2. بلا عنوان
    حبذا لو تقوم صحيفتكم الغراء بنشر الدراسة التي تمت التوصية بمضمونها حتى نتمكن من التعليق عليها ومبادلتكم الرأي والمشورة … مع تقديري واحترامي للكاتب المبدع دائما سميح المعايطة

  3. الميل للتغيير ليس من سماتنا
    ما يثير انتباهي أن الأفكار تطرح عندنا، وبالمناسبة أي منها اختراع أردني بل تجارب ناجحة في دول أخرى تستحق التبني، ثم يحدث حديث مكثف عنها وأحياناً لجان طويلة عريضة ثم ما تلبث أن تختفي ثم تعود لتظهر على السطح من جديد، ودواليك، ثم تنفذ على استحياء أو بالتقسيط بعد أن تفقد زخمها. ولعل الأجندة الوطنية هي مثال على هذا التقييم. أما بالنسبة لفكرة اللامركزية والاقاليم فتعود إلى سنة 2005 ونحن ما زلنا نتحدث عنها في سنة 2009 دون تفاصيل واضحة. بالمحصلة، لا يمكن أن يحدث التغيير إلا إذا كان عندك مجتمع يميل للتغيير بينما نحن أقرب إلى المجتمع التقليدي الذي يكره التغيير ويظن في معظم الأحيان أنه يمثل مؤامرة كبرى. كل فكرة تبدو مخيفة للنخب لأنها تعني ظهور لاعبين جدد وغياب لاعبين قدماء.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock