أفكار ومواقف

“الأقصى” في خطر

ما تزال سلطات العدو الصهيوني تواصل، ودون انقطاع، سياستها في تهويد مدينة القدس، إما باستهداف المقدسات فيها، أو من خلال تعزيز الاستيطان فيها وحولها، أو كلاهما معًا، في محاولة لطمس هوية المدينة المحتلة وعزلها عن امتدادها الفلسطيني.
إن إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التعسفية في المدينة المقدسة، وخصوصًا تجاه المسجد الأقصى المبارك، لا ترحم طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ولا شابًا.. فرئيس مجلس الأوقاف في القدس المحتلة الشيخ عبد العظيم سلهب ورئيس أكاديمية الأقصى للوقف والتراث الدكتور ناجح بكيرات، فضلًا عن مئات المقدسيين الذين تم اعتقالهم وإبعادهم عن المسجد المبارك، كان هذه الأيام هدفًا لقوات الاحتلال.
الجهود الأردنية كانت حاضرة ولها أثر إيجابي، الذي لم تنكره العديد من القنوات الدبلوماسية العربية والدولية، في عملية الإفراج عن هؤلاء المقدسيين الذين يقاومون الصهاينة بصدور عارية.
إن قيام المحتلين بتوتير الأجواء في المدينة القديمة، يُراد منه بعث رسائل إلى الإسرائيليين والفلسطينيين والأردن.. فالرسالة الأولى هي توظيف حكومة اليمين في إسرائيل، برئاسة المتطرف بنيامين نتنياهو، ذلك في خدمة مصالحها الانتخابية، وكسب أصوات الناخبين بشكل أكبر.
والرسالة الثانية، الموجهة إلى الفلسطينيين، هي تعزيز تهويد مدينة القدس الشريف، وطمس هويتها وعزلها عن امتدادها الفلسطيني، وتفريغ “الأقصى”، وفرض سياسة الأمر الواقع بتقسيم المسجد المبارك كما عملت السلطات الإسرائيلية في الحرم الإبراهيمي.
فالكيان الصهيوني جاد في عملياته وقراراته تجاه “تهويد” القدس، درة فلسطين.
إلى جانب توصيل رسالة إلى المرابطين هناك، بأن كل من يقترب من القدس أو باب الرحمة التابع لـ”الأقصى”، والذي أغلقه الصهاينة منذ نحو 16 عامًا، سوف يتم اعتقاله ويلقى عقابًا كبيرًا.. وما اعتقال أكثر من مئة مقدسي وإبعادات شملت بعضهم، خلال الأيام الماضية، إلا دليل على صحة ذلك.
والرسالة الثالثة، الموجهة إلى الأردن، الذي غضب واستنفر كل أجهزته تنديدًا واحتجاجًا على تلك الاعتقالات، فالشيخ سلهب بدرجة وزير وأعلى مسؤول تابع للحكومة الأردنية في القدس الشريف، هي “إبعاد” الدور الأردني وأن “ليس هناك أي سيادة على القدس، إلا السيادة الإسرائيلية”، وبذلك ينقض الاحتلال اتفاقية وادي عربة، الموقعة بين الجانبين العام 1994، والتي تقر برعاية الأردن للمقدسات في القدس وصاحب الوصاية الهاشمية عليها.
الأردن الرسمي، الذي اعتبر الخطوة الإسرائيلية تصعيدًا استفزازيًا، التقط الإشارة أو الرسالة التي تفيد بأن “الأقصى” في خطر حقيقي، وأن الاحتلال جاد في الإجهاز عليه وتغيير معالمه وبناء “هيكلهم المزعوم”.
من غير المستبعد أن يكون التصعيد الإسرائيلي ذلك، جزءا من مسلسل صفقة القرن، وخاصة مع وجود أخبار تتداولها الإدارة الأميركية حول ملف القدس، تتضمن تشكيل مؤسسة إسلامية تتدخل فيها عدة دول، وبالتالي “إفقاد” الأردن دوره كمشرف على المقدسات بالمدينة القديمة.
وعملية محاولة استبعاد الأردن يمثل آخر الحلقات لتذويب القضية الفلسطينية، فما يجري عمليًا هو تطبيق لصفقة القرن على المسار العملي الاستيطاني والاحتلالي وعلى المسار الدبلوماسي الذي تنشط به الصهيونية في المحيط العربي.
الأردن لا يمكن أن يتخلى عن دوره التاريخي في رعاية الأماكن المقدسة والوصاية الهاشمية، رغم كل ممارسات إرهاب دولة الاحتلال.. لكنه يتوجب عليه عدم الاكتفاء بالتنديد والاستنكار، والتلويح بإلغاء معاهدة وادي عربة، وإلغاء اتفاقية “الغاز”، وطرد السفير الإسرائيلي من عمان، واستدعاء السفير الأردني من تل ابيب، والإسراع من إجراءات الحصول على أراضي الغمر والباقورة.
وسيبقى الأردن، مثلما كان دومًا، الشريك الاستراتيجي للجانب الفلسطيني، فهو كان وما يزال يتصدر الدول العربية والإسلامية في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
إن تصاعد الموقف في القدس المحتلة مع تصاعد الإجراءات الاسرائيلية، التي أسرفت في إجراءاتها التعسفية وما تقوم به من اعتقالات غير مبررة وباطلة وتغيير للمعالم الجغرافية للمدينة المحتلة، مع ما صاحب ذلك من تحريض من مجموعات يهودية متطرفة، أضاف توترا جديد للأجواء المتوترة أصلًا في المدينة المقدسة، الأمر يضع الموقف على حافة التصعيد الخطير يصل إلى المواجهة والصدام، مع ما قد يُصاحب ذلك من مخاطر جمة على القضية الفلسطينية ككل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock