أفكار ومواقف

الأقليات وأزمة “الاندماج” الوطني

على خلفية أحداث العنف في الإسكندرية الأسبوع الماضي، عاد موضوع الأقليات في العالم العربي الى الواجهة من جديد على الرغم من كون هذا الموضوع لم يهدأ منذ عقود في الكثير من المجتمعات العربية التي لم تنجز الاندماج الاجتماعي الحقيقي لكافة عناصرها الاجتماعية؛ أي الاندماج الذي ينعكس في تكامل سياسي وطني. يبدو ذلك في بلدان تجاوز عمر الدولة الحديثة فيها ثمانية عقود وأكثر، وفي كل مرة تدق فيها أيادي الأقليات أبواب الأوطان تدور القصص والأخبار حول سؤال لم نتوقف عن تكراره من يُحرك الأقليات و كيف تصاغ القصص والحوادث والشبهات والاتهامات.


لا ينكر وجود أصابع خارجية لم تتوقف عن العبث في هذا الموضوع ومنذ قرون ويكفي ان نعود الى يوميات السياسة في بلاد الشام والمشرق العربي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فهناك عشرات القصص والأمثلة مع ترك ما يحدث في العراق جانبا. لكن هذه الصورة النمطية الجاهزة لا تكفي لتبرير او تفسير ما يحدث اليوم وتجاهل وجود ديناميات اجتماعية داخلية ترتبط مرة ببنية المجتمع بأكمله ومرة أخرى بتحولات الثقافة المجتمعية وطبيعة المحددات التي تفرضها وتحدد على أساسها العلاقات بين مكونات المجتمع وعناصره، وفوق ذلك كله تُحرك الديمقراطية الأقليات كما حركت صناديق مقفلة منذ عقود.


من الواضح ان أزمة الأقليات في العالم العربي قد اشتدت منذ مطلع التسعينيات مع الموجة الديمقراطية الجديدة التي كادت ان تلمس أطراف جسد المنطقة، لذا توالت الأزمات من الامازيغ في المغرب العربي والأوضاع الساخنة دوما في السودان الى الأقباط في مصر الى الأكراد في سورية الى الشيعة في الخليج العربي، وهي أزمات تحمل مضامين دينية وطائفية وعرقية ولغوية، وتعبر أولا عن فشل النظم العربية ومجتمعاتها في خلق الاندماج الاجتماعي وتدشين الحدود الدنيا لممارسة المواطنة بين مختلف فئات مواطنيها، وتعبر ثانيا عن انكسار الهوية الاندماجية التي حاولت بعض النظم فرضها بهيمنة احد مكونات الثقافة المحلية على بقية الثقافات الفرعية، وثالثا تعبر هذه الأحداث عن وجود أقليات مستكينة تغلب الشعور بالذات العميقة على الشخصية الوطنية، وهي اقل استعدادا للاندماج مع مجتمعها والتكامل مع دولتها.


ولّدت هذه البنية المحلية غير المكتملة في علاقة الأفراد والجماعات بالدولة حالة احتقان متشعبة الأبعاد والأطراف، وكما يتم تحريك أحزاب وتنظيمات سياسية وجمعيات أهلية من قبل أطراف خارجية، تُحرك بعض الأقليات من الخارج أحيانا. وكما تتصرف بعض فئات المجتمع بذهنية الأقلية التي لا تكف عن القول بالظلم والاضطهاد والإقصاء والتميز، تتصرف أطراف أخرى في المجتمع بذهنية غلبة الأكثرية، المشكلة حينما تكون الديمقراطية وما تعنيه من مشاركة شعبية هي الأداة الوحيدة التي تكفل تفريغ هذا الاحتقان وتضمن تدشين أسس متينة لاندماج اجتماعي تقف هي نفسها أي الديمقراطية عاجزة عن التقدم لأن استمرار هذه الذهنية لدى الأكثرية والأقلية معا يعد احد أهم معوقات التحول الديمقراطي ذاته. يقال: ان المجتمعات هي التي تنشئ الدول والأخيرة بدورها تكمل بناء الأوطان، وهو ما لم يحدث في هذا الجزء من العالم.


على كل حال، لا تزال وسائل ومضامين التعبير عن أزمة الأقليات في بعض المجتمعات العربية متباينة بين حرب أهلية واقعة بالفعل في غرب السودان على خلفيات عرقية، وبين حرب أهلية أخرى تطل برأسها كل يوم في العراق، وفي أماكن أخرى تعبر”الديمقراطية الهشة” عن الالتصاق بالطائفية والمذهبية وتعكسها بأوضح صورها، بينما في مجتمعات توصف بمركزية سياسية وثقافية يتم التعبير عن ذلك الاحتقان بوسائل ومضامين أولية. خذ على سبيل المثال أحداث الإسكندرية العام الماضي التي اندلعت على خلفية المسرحية التي قيل انها مثلت في إحدى الكنائس ووزعت على قرص مدمج، واتهمت الحكومة، كما اتهمت في أحداث الأسبوع الماضي، بأنها لم تتدخل او تحاول حسم الموضوع قبل تفاقمه.


وفي أواخر عام 2004 تحول شغب بين مشجعي ناد عربي وناد كردي في شمال سورية الى أعمال عنف عرقية نجم عنها سقوط عشرات الضحايا وتحطيم ممتلكات عامة، واتهمت هذه المرة الحكومة والشرطة بالتحيز والتضامن مع العرب.


تُحرك الديمقراطية الأقليات، وحتى السماع بالديمقراطية من وراء البحار ينشر الشعور بالهويات العميقة التي لم تدمجها مشاريع الدول؛ وفي الخلاصة يتطلب موضوع الأقليات ان يكون احد مداخل الإصلاح السياسي والمجتمعي العاجل، وهذا يتطلب مع اعتراف الدول بحقوق هذه الفئات ثقافة جديدة تعترف من خلالها هذه الأقليات بالدولة أيضا.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock