ترجمات

الأمر يتطلب عالَماً لإنهاء وباء

ماهليت ميسفن* – (فورين أفيرز) 21/3/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ربما للمرة الأولى في التاريخ الحديث، يركّز العالم المترابط بأكمله على حل مشكلة واحدة. وقد سمّر فيروس كورونا المستجد، (سارس كوف-2)، والمرض الذي يسببه، “كوفيد-19″، المجتمع الدولي؛ حيث يسعى القادة والمواطنون إلى الاستجابة لتهديد ليست أبعاده مؤكدة تمامًا ولا معروفة بما يكفي.
الآن، يحث أعضاء المجتمع العلمي في جميع أنحاء العالم خطاهم للعثور على إجابات للعديد من الأسئلة التي يثيرها الوباء. ويعمل الخبراء معًا، داخل وخارج المختبرات على حد سواء، لتوفير أفضل المعلومات مباشرة للجمهور (على سبيل المثال وليس الحصر، من خلال الموقع الإلكتروني لاتحاد العلماء الأميركيين)، ولتنسيق أولويات البحث العالمية، وأكثر من ذلك بكثير. ويمكن القول إنه ليس هناك مجتمع خبراء لديه دور أكثر أهمية ليلعبه في إيجاد الحلول التي يحتاجها العالم وإبلاغ المعلومات الموثوق بها للجمهور.
تهديد مشترك، أبحاث مشتركة
بسرعة ملحوظة خلال هذه الأشهر الثلاثة الأخيرة، كشف العلماء النقاب عن رؤى أساسية حول فيروس كورونا المستجد والتدخلات التي قد تعالج المرض الذي يسببه بشكل أفضل. في كانون الأول (ديسمبر)، نشرت مجموعة من الباحثين الصينيين التسلسل الجيني للفيروس الجديد عبر الإنترنت من خلال المبادرة العالمية لتقاسم جميع بيانات الانفلونزا. وسمحت هذه البيانات للمجتمع العلمي الدولي ببدء تطوير اختبارات تشخيصية واستكشاف خيارات للعلاج. ويضم الموقع الآن التسلسل الجيني للفيروس كما هو موجود في مئات المرضى عبر ست قارات.
وبحلول منتصف كانون الثاني (يناير)، نشر الباحثون في ألمانيا، إلى جانب متعاونين في دول أوروبية أخرى وفي هونغ كونغ، تفاصيل أحد الاختبارات التشخيصية للكشف عن فيروس كورونا المستجد. وأرسلت منظمة الصحة العالمية مجموعات اختبارات بناءً على هذه النتائج إلى المختبرات في جميع أنحاء العالم، وهي تستضيف البروتوكولات من مجموعات الاختبار من سبع دول في موقعها على الإنترنت. وتشكل خوادم البيوليوجيا، BioRxiv وmedRxiv، مستودعات مفتوحة عبر الإنترنت للدراسات التي لم تنشر بعد في علم الأحياء والعلوم الصحية، ويستضيف الخادمان حاليًا أكثر من 420 ورقة بحثية عن فيروس كورونا المستجد. وقد أبلغت منظمة الصحة العالمية عن أكثر من 390 تجربة سريرية على منصة التسجيل الدولية الخاصة بها، وبدأت “المعاهد الوطنية للصحة” أول تجربة سريرية للقاح مؤخراً.
بقدر ما هو هذا التقدم مثير للإعجاب، فإن العالم يحتاج إلى المزيد وبسرعة. ما يزال هناك الكثير الذي لا يفهمه العلماء بشكل كامل عن فيروس كورونا المستجد، بما في ذلك ديناميات انتقاله، وقدرته على الظهور مرة أخرى في موجات مثل انفلونزا 1918 الإسبانية، وما إذا كان يمر بتحولات وطفرات، ومن أين أتى، وكيف قد تؤثر العوامل البيئية، مثل درجة الحرارة، على انتشاره. كما تبقى الأسئلة حول المرض نفسه، بما فيها سبب اختلاف استجابة المرضى للعدوى وما إذا كان أولئك الذين أصيبوا بالعدوى يطوّرون مناعة قصيرة أو طويلة الأجل. ويتسابق الباحثون لتطوير خيارات علاجية ووسائل فحص دقيقة وحساسة وسريعة وقابلة للنشر محليًا. ويسعى علماء الأوبئة وعلماء الاجتماع إلى فهم أي تدابير تخفيفية ستكون الأكثر فعالية في السيطرة على انتشار الفيروس؛ وما هي القيمة الحقيقية للتدابير القاسية مثل الحجر الصحي وحظر السفر؛ وما هي عواقب هذه السياسات على مجالات أخرى من الصحة العامة.
في البحث عن إجابات لهذه الأسئلة الملحة وغيرها، لدى كل دولة شيء لتقدمه وشيء لتكسبه. يقال إن الأمراض المعدية لا تعرف حدودًا، وكذلك حال المعرفة اللازمة لمكافحتها. ويقوم العلماء حول العالم بمشاركة المعلومات بشكل روتيني والتعاون عبر الحدود. وقد جعل الوباء الحالي العلماء يعملون معًا على منصات مثل “سلاك” Slack، واستخدام أدوات جديدة، مثل التعلم الآلي، للكشف بسرعة عن فيروس كورونا المستجد في الاختبارات التي تستخدم كميات كبيرة من البيانات من مصادر متعددة. وقد أظهر هذا التفشي في الوقت الحقيقي كيف يمكن أن يكون الفهم العلمي منفعة عامة عالمية حقاً.
في السنوات الأخيرة، أدت المنافسة الجيوسياسية، خاصة بين الصين والولايات المتحدة، إلى عدم الارتياح في بعض الأوساط إزاء الطبيعة التعاونية للمؤسسة العلمية. وبالقدر الذي تؤدي فيه التطورات العلمية إلى منتجات وتقنيات جديدة، تميل البلدان التي تسعى إلى تعزيز مصالحها الوطنية أو الاقتصادية الخاصة إلى النظر إلى العلوم بشكل أكبر من خلال عدسة تنافسية بدلاً من التعاونية. ويمكن للأدوية واللقاحات أن تدر عائدات ضخمة. لكن معركة الدولة الواحدة ضد عدوى سريعة الحركة، ترتبط بطبيعتها بمعارك جيرانها -سواء أكانوا من الأصدقاء أو الأعداء- ولذلك ينبغي أن يفوز الجميع في المعركة. وفي حالة هجوم جائحة عالمية، فإن قيمة التعاون المفتوح ينبغي أن تكون واضحة. ويجب أن تكون فائدته في مواجهة التهديدات المشتركة الأخرى، مثل تغير المناخ، واضحة هي أيضاً.
ليس هذا وقت التراجع
تأتي جائحة “كوفيد- 19” في وقت يشهد تصاعداً للقومية في جميع أنحاء العالم. ولكن، لا يمكن أن تؤدي العزلة ونزعات كراهية الأجانب إلى إنتاج استجابة فعالة لهذه الأزمة العالمية. بدلاً من ذلك، تتطلب جسامة هذه اللحظة تبادل الخبرات والتعاون بين الدول واستجابات منسقة مستنيرة وقائمة على الأدلة من الحكومات الوطنية.
لحسن الحظ، ارتقت العديد من المؤسسات عبر البلدان والقطاعات إلى مستوى تلبية الحاجة. وخصصت “مؤسسة بيل وميليندا غييتس”، و”ويلكوم تراست”، و”ماستركارد” مبلغ 125 مليون دولار لبرنامج تسريع علاج “كوفيد-19″، الذي يسعى إلى تحديد العلاجات المحتملة، وتسريع تطورها، والاستعداد لتصنيع ملايين الجرعات للاستخدام في جميع أنحاء العالم. وتعمل منظمة الصحة العالمية على وضع اللمسات الأخيرة على “بروتوكول رئيسي” للتجارب السريرية، والذي سيزيد من حجم هذه التجارب من خلال تجميع بيانات مجموعات المرضى حول العالم، وبالتالي توفير إمكانية تحديد الاختلافات في الاستجابات عبر مجموعات المرضى. وقد التقى قادة مجموعة السبع الكبار قبل أيام من كتابة هذه السطور وناقشوا الالتزام بالتعاون البحثي، من بين مكامن اهتمام مشتركة أخرى.
ما يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به حتى يكون التعاون العالمي فعالاً. على سبيل المثال، في اجتماع عقد مؤخراً بقيادة منظمة الصحة العالمية وشبكة “التعاون البحثي العالمي للتأهب للأمراض المعدية”، أبرز أكثر من 300 خبير الحاجة إلى تبادل المواد حول الفيروس والعينات السريرية كإجراء بحثي فوري. ولم تكن الدعوات إلى تنسيق الأنظمة واللوائح عبر الهيئات الوطنية والإقليمية أكثر منطقية في أي وقت مما هي الآن؛ حيث إن الطلب من كل دولة أو منطقة أن توافق بشكل منفصل على التشخيص والعلاج يخلق اختناقات، والتي أصبحت عواقبها الضارة واضحة للغاية. وقدمت الولايات المتحدة مثالاً صارخاً في هذا الصدد: لم تستطع الدولة استخدام الاختبارات التي تم تطويرها في الأماكن الأخرى، مثل تلك القادمة من منظمة الصحة العالمية، لأنها لم تتم الموافقة على استخدامها على المرضى الأميركيين.
في الماضي، أعطت الولايات المتحدة أولوية لدورها القيادي العالمي، بما في ذلك في مجال الصحة العامة. وعلى سبيل المثال، في العام 2003، استجاب البيت الأبيض للانتشار العالمي لوباء فيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز بإطلاق خطة طوارئ وتخصيص أكثر من 80 مليار دولار من أجل دعم النضال في جميع أنحاء العالم لاحتواء المرض. وقادت الولايات المتحدة الجهود الدولية لمكافحة تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا في العام 2014 وساعدت على تطوير المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. لكن الأولويات تغيرت كما يبدو. فقد اجتمع مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض (OSTP) مؤخرًا مع نظرائه حول العالم لمناقشة “كوفيد-19″، وشاركت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في رئاسة أول ورشة عمل تنظيمية عالمية حول تطوير لقاح ضد المرض، لكنّ حكومة الولايات المتحدة لم تكن مشاركاً قوياً في المنتديات الدولية الأخرى، ولم تصمم نهجاً يقدّر المشاركة العالمية أو يُشرِك الحكومة بأكملها في الجهود.
كما تهدد التوترات بين الصين والولايات المتحدة بعرقلة التقدم في أبحاث فيروس كورونا. وفي السنوات الأخيرة، أدت مخاوف الولايات المتحدة بشأن التجسس الصيني ونقل التكنولوجيا إلى إخماد جذوة التعاون العلمي الصيني-الأميركي، كما يتضح من ملاحقة أو طرد كبار الأكاديميين الأميركيين الذين يُزعم أنهم شاركوا سراً في برامج لتطوير المؤسسة العلمية الصينية. وتحد هذه التوترات من المشاركة رفيعة المستوى، كما اتضح من حقيقة عدم قيام مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض بإشراك المسؤولين الصينيين في مناقشاته مع نظرائه الأجانب. في الماضي، كانت الولايات المتحدة ستستخدم القنوات الحكومية لمعالجة مخاوفها، حتى بينما تبحث عن طرق لمواصلة العمل مع العلماء الصينيين في مسائل ذات أولوية مشتركة. وتمتلك الدولتان أعظم خبرة علمية طبية حيوية في العالم. ولكن، على الرغم من أن المؤسسات ربما ما تزال تتعاون لمكافحة “كوفيد-19” (على سبيل المثال، تعمل شركة الأدوية Gilead التي يقع مقرها في الولايات المتحدة مع مستشفى الصداقة الصينية-اليابانية في بكين لاختبار عقار مضاد للفيروسات على المرضى في ووهان)، إلا أن الروابط الحكومية متوترة، فقط عندما يمكن أن يكون التشارك في توسيع البيانات وتقاسم العينات اللازمة لمعالجة هذه الأزمة حاسماً.
مؤسسة عالمية
كانت كوريا الجنوبية قد تعاملت مع تفشي وباء “سارس” في العام 2003، ولذلك عكست استجابتها لوباء “كوفيد-19” تحضيراً أفضل بسبب الدروس المستفادة من الخبرة السابقة. وقد تمكنت هذه الدولة فعلياً من “تسوية منحنى” العدوى بحيث يتمكن نظام الرعاية الصحية من إدارة المرض. وتُظهر تجربة كوريا الجنوبية أهمية تبادل الدروس المستفادة -وحقيقة أن الأساس الذي يتم وضعه في الأوقات الجيدة يكون مهماً للغاية في الأوقات السيئة.
دخل المجتمع العلمي العالمي هذه الأزمة على أساس قوي من الأهداف المشتركة والترابط المشترك -الأساس الذي بناه العلماء وأداموه من خلال المشاريع التعاونية والتبادلات والاجتماعات الدولية والحوارات الملتزمة. وهذه الروابط مفيدة دائماً، لكنها تصبح حاسمة في أوقات الأزمات. وقد أشار أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في الولايات المتحدة، إلى أن العلاقات التي كان قد زرع بذورها مع الباحثين الصينيين على مر السنين ساعدته في تجاوز القنوات الرسمية.
من المؤكد أن المؤسسات الوطنية والعالمية اليوم سوف تكون قد تغيرت كثيراً على الجانب الآخر من أزمة تشكل نذيراً بقدوم أوبئة قادمة. ويؤكد هذا التفشي أهمية انتهاج سياسة أميركية تعترف بالترابط البشري، والمسؤولية المشتركة، وفهم أن الولايات المتحدة تكون في أقوى حالاتها عندما تختار القيادة. ويوفر التعاون الدولي في مجال العلوم أفضل أمل لإيجاد حل للأزمة الحالية ونموذجاً تتبعه المؤسسات الأخرى من أجل بناء مستقبل مشترك أفضل وأكثر أماناً.

*Mahlet Mesfin هي زميل زائر في مركز بن بايدن للدبلوماسية والمشاركة العالمية، قادت ملف العلوم والتكنولوجيا الدولية في مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا من العام 2015 إلى العام 2017.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: It Takes a World to End a Pandemic: Scientific Cooperation Knows No Boundaries-Fortunately

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock