أفكار ومواقف

الأمم المتحدة.. لا شيء يدعو للاحتفال..!

مرّت مؤخرا الذكرى السنوية لتأسيس الأمم المتحدة. وقد تأسست المنظمة في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1945 في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية، في متابعة لمقررات مؤتمر «دومبارتون» أوكس الذي عقد في العاصمة واشنطن. وطوال كل هذه السنوات، ظلت أدوار المنظمة وجدواها موضوعاً للنقاش. لكن المعيار الأساسي لتقييم أداء أي مؤسسة هو تحقيقها الغايات التي أنشئت من أجلها، والهياكل والآليات التي تحكم هذا الأداء.
في الأساس، تشمل أهداف الأمم المتحدة الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتعزيز التنمية المستدامة، ودعم القانون الدولي. وقد حققت المنظمة بالتأكيد منجزات في هذه المجالات هنا وهناك. لكن الحكم على النجاح والفشل بشكل عام تحدده الحصيلة النهائية التي يلخصها المشهد الراهن للعالم الذي يُفترض أنها تديره. اليوم، يضج العالم بالحروب والصراعات؛ وحقوق الإنسان تُنتهك على نطاق واسع؛ والمساعدات الإنسانية لا توجبها كوارث الطبيعة، وإنما المظالم واستيلاء الأقوياء على حصة الضعفاء؛ والتنمية المستدامة في أكثر من مكان متعذرة لأن القوى المتحكمة في العالم تضمن بقاء الفقراء مع التخلف والتبعية؛ والقانون الدولي رهينة لأهواء القلة المتحكمة بقرار المنظمة وعملياتها.
ثمة عيب جوهري في الأمم المتحدة هو أنها مؤسسة غير ديمقراطية حقاً، وأشبه بدولة دكتاتورية يحكمها حاكم مستبد (أميركا)، تحته قلة/نخبة (بقية الدول الخمس صاحبة حق النقض)، وكل البقية رعايا تابعون بلا حول. ويستطيع الكبار أن يتصرفوا خارج المنظمة وأن يتجاهلوها تماماً بلا تبعات مهمة حيثما يرون ذلك مناسباً. وفي الحقيقة، تميل الأمم المتحدة إلى أن تكون مؤسسة أميركية تستخدمها الولايات المتحدة حين يلزم، وتتجاوزها ببساطة عند أي تعارُض فني. وهذه التبعية عرَض طبيعي لعالَم أحادي القطب تنفرد فيه أميركا بالقمة، وتستضيف مقر المنظمة على أراضيها وتزودها بربع تمويلها تقريباً، وتمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والدعائية لتتحكم في قرار المنظمة، أو تتصرف وكأنها غير موجودة هي ومَن فيها.
لا يشكل العرب، فرادى ولا ككتلة (وهم ليسوا كذلك) قوة عظمى تمتلك حق النقض في الأمم المتحدة. وبالنسبة للأهداف المعلنة للمنظمة، فإنها غير متحققة غالباً في المنطقة العربية. السلام غير موجود؛ وحقوق الإنسان غير موجودة؛ والتنمية المستدامة شبه معدومة؛ والقانون الدولي غير مطبق. وفي ظل النظام الدولي الذي يفترض أن تديره الأمم المتحدة، عانى العرب دائماً من الهيمنة الخارجية، والتدخلات الدائمة، والتوتير المتواصل والتقسيم المستهدف. ويعاني معظم العرب، كأفراد وشعوب، من الاضطهاد والفقر والتخلف والتبعية والحرمان من تقرير المصير أو المشاركة السياسية. وتعاني بلدانهم من الحروب الأهلية والمنافسات الإقليمية والصراعات من كل المستويات –كل ذلك بدعم القوى النافذة في الأمم المتحدة. وعندما يطرح العرب قضية عادلة في الأمم المتحدة، فإنهم لا يكسبونها.
من المعروف أن أهم قضية شغلت العرب وولدت مع الأمم المتحدة تقريباً هي القضية الفلسطينية. وحتى اليوم، حين يُعتقد أن القضية الفلسطينية تراجعت في قائمة الاهتمامات العربية، فإن الموقف منها هو المعيار النهائي لتأهيل الأنظمة -أو عدم تأهيلها- من الموافقة على استمرارها في السلطة، إلى قبولها دولياً، إلى مساعدتها مالياً أو عسكرياً، إلى أمن مواطنيها أو نزع أمنهم بالغزو المباشر أو تأجيج الصراعات المحلية والحروب الأهلية وتقويض سلمهم الأهلي. والذي يحكم في كل هذا ليس الأمم المتحدة، وإنما صاحبة الأمم المتحدة: الولايات المتحدة. وتُستخدم الأمم المتحدة في هذه المسألة كأداة لفرض العقوبات – أو حتى التفويض بالعمل العسكري ضد الذين يتخذون موقفاً مناهضاً للاحتلال الصهيوني أو لمواقف أميركا غير الإنسانية المعادية للشعب الفلسطيني.
في فلسطين، لم تحقق الأمم المتحدة السلام، ولا العدالة، ولا حقوق الإنسان، ولا المساعدات الإنسانية، ولا التنمية المستدامة، ولا القانون الدولي. ولم تتمكن هذه المنظمة من تنفيذ قراراتها لأن صاحب القرار فيها لا يريد ذلك. وحتى الوكالات الإنسانية في المنظمة، مثل (الأونروا) تُحرم من التمويل كوسيلة ضغط على الفلسطينيين للتخلي عن حقوقهم الإنسانية والعادلة. بل إن (الأونروا) نفسها أنشئت نتيجة فشل الأمم المتحدة في حل القضية الفلسطينية بعدالة كل هذا الوقت.
واقع الأمم المتحدة، بهيكليتها وأدوارها المعروفة، وحيادها المشبوه على الأقل تجاه أسباب معاناة المواطن العربي المحلية والدولية، لا يجعل تأسيسها مناسبة للاحتفال.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock