أفكار ومواقف

الأمن المائي الأردني…

قبل أيام دخل البلاد رسميا فصل الربيع. وفي هذا العام يبدو الربيع مختلفا فالأرض اكثر خضرة والطقس ما يزال باردا والأرض لم تكن يوما اجمل مما هي عليه فقد نالت نصيبها من المطر وفاضت بعض السدود وتفجرت الينابيع وتوقف أصحاب المواشي عن شراء الاعلاف واصبح الناس اقل توترا مما كانوا عليه قبل الربيع.
امطار هذا العام كانت الاوفر والاشمل والاكثر تتابعا وتأثيرا. من يتجول في الارياف والبوادي يدهشه جمال الطبيعة والوان الحقول التي تحولت الى لوحات تتداخل فيها الوان الزهور وخضرة الغطاء النباتي في مشهد قلما يتكرر. الينابيع التي تفجرت أدهشت أهالي القرى والأرياف فلا شيء يسعد البدوي والمزارع ويبعث في نفسه الامل اكثر من نزول المطر وتوفر المياه.
بجانب هذه الصور الجميلة لا يملك احدنا إلا أن يتذكر مشكلاتنا المائية والمخاطر التي تشكله على واقعنا ومستقبل المجتمع الأردني وأجياله . ففي محيطنا الجغرافي لا يوجد بلد يعاني من شح المياه كما يعاني الأردن. السنوات الاخيرة شهدت تزايدا في الطلب على استهلاكها دون تطوير واضح لمصادرها او استعدادات مطمئنة لتلبية هذا الطلب. من المحزن ان ترى وتسمع عن عمليات إفراغ السدود في اكثر بلدان المنطقة حاجة للمياه. الحجج التي تساق لتبرير هذه الاجراءات تثير الكثير من الاسئلة حول مدى سلامة التخطيط وقدرة المؤسسات على التصدي للتحديات التي تواجهنا على كافة المستويات.
لأكثر من ثلاثة عقود والجميع يتحدث عن قناة البحرين دون أن نلمس اجراءات على الأرض. من وقت لآخر تطفو على السطح أرقام مخيفة للعجز المائي دون وجود خطط ومشاريع لسد هذا العجز او التخفيض من معدلاته. التحكم في الإدارة والتوزيع للمياه المتوفرة يشغل الحكومات والشركات أكثر مما يشغلها الحصاد والتنمية والتطوير للمصادر. اليوم ومع مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس قناة الغور الشرقية وقرابة العقد على جر مياه الديسي أصبح شح المياه مشكلة الأمن الإنساني الأولى . حتى اليوم لا يوجد اجراءات حاسمة لزيادة المتوفر من المياه، ففي كافة ارجاء البلاد ما يزال شبح الانقطاع يطل برأسه على الأردنيين في كل عام. ما أن يحل الصيف حتى تتعاظم المخاوف ويزداد القلق دون ان يظهر في الأفق ما يطمئن الناس على مستقبل البلاد المائي. من يستمع لأشعار البدو وقصائد المزارعين يدرك اننا ما نزال في قبضة الطبيعة التي لا تدور عجلة الحياة فيها بدون المياه, فالغنى والفقر والحياة والموت والاستقرار والتشرد كان وما يزال مرتبطا بالمياه ووفرتها . في أجزاء كثيرة من المشرق والمغرب العربي يوجد شح في المياه واعتماد كبير على المطر الذي بغيره يكون القحط والجفاف وربما موت للزرع والضرع.
الزراعة والرعي كانت الانشطة الاقتصادية الاهم لأهل الأردن عبر تاريخ المنطقة الممتد لآلاف السنين. في عجلون والطفيلة وجرش غطاء من الاشجار المعمرة، وفي الربيع تتحول الكثير من المساحات الجرداء الى حقول وفضاءات مبهجة. لذا ظل المطر احد اهم المتغيرات التي يتابعها الناس وينتظرون بفارغ الصبر هطول المطر وتحرك دورة الحياة في ديارهم المقفرة.
منذ ايام تداول الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي وثيقة كتبت بخط اليد وتشتمل على كميات ونسب ومعدلات الامطار التي هطلت على منطقة اليادودة المجاورة لعمان عبر ما يزيد على خمسين عاما. الوثيقة تمثل السجل الرسمي للهطول المطري على المنطقة المجاورة لخربة ابوجابر حيث كانت بعض منازل المزارعين وحقولهم تنهض بمسؤولية الرصد للامطار والتحولات المناخية في البلاد.
السلطات العثمانية كانت تستخدم السجلات المطرية ومنسوب البرك والسدود كمعايير ارشادية في تقدير نسبة ضرائب المحاصيل التي تجمعها من الولايات. هذه المعايير كانت مؤشرات الاستدلال على القحط والغلال وهي لا تختلف كثيرا عن المقاييس التي استخدمها عمرو بن العاص لقياس مستوى جريان النيل كمؤشر على نسبة الخراج الذي تحصل عليه الدولة الاسلامية من ولاياتها .
الاهتمام بالمياه وتطوير مصادرها مدخل مهم لتطوير الانتاج ودفع التنمية وتحقيق موارد اضافية للخزينة التي ترزح تحت ضغوط الديون والعجز ونقص الواردات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock