آخر الأخبار حياتناحياتنا

الأم العاملة تدخل حيز “العجز” في أزمة “كورونا”.. وخبراء يعلقون

ديمة محبوبة

عمان– هل نحن الخاسر الأكبر من “كورونا”؟.. تساؤل يراود العديد من الأمهات منذ بدء الجائحة وحتى اليوم، اللواتي تراكمت لديهن الأعباء بشكل مضاعف، فأصبحت مسؤولية التعلم عن بعد على كل واحدة منهن، والذي يحتاج لتفرغ ومتابعة متواصلين، خصوصا بعد قرار الحكومة بأنه سيتم الاستمرار في التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد في المدارس حتى نهاية الفصل الدراسي.
ولم يكن من أولياء الأمور “في منازل الأمهات العاملات” سوى التعبير عن استيائهن وإحباطهن عبر منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، عقب اعلان هذه القرارات، مفادها كيف ستتابع الأم دراسة أبنائها عبر المنصة، وبذات الوقت عملها عن بعد، كما أن العديد من الوظائف تتطلب التواجد في مكان العمل.
أعباء الأمهات العاملات مع التعليم عن بعد، وتضاعف الادوار المطلوبة منهن إنجازها أفقدهن السيطرة، وأدخلهن حيز “العجز” عن القيام بكافة هذه المهام، أو إنجازها كما يجب.
خبراء يتفقون أن أكثر الخاسرين من أزمة “كورونا” المستجد هن الأمهات العاملات، إذ تراكمت المسؤوليات عليهن بشكل كبير جدا.
“أستيقظ باكرا لأعد وجبة الإفطار لأبنائي الثلاثة، وفق الأم الثلاثينية آمنة خليل، وذلك قبل بدء الحصص اليومية المباشرة، والتي أصفها بـ”المعركة”، إذ ينتشر أبنائي كانتشار القوات في البيت كل على جهاز الحاسوب الخاص به، وعندما يبدأ بث الحصص أشعر بأنني مراقبة إدارية على الصفوف، أتابع التزام كل منهم في حصته وتركيزه، ومتابعة الدروس والواجبات بعد ذلك، وبذات الوقت تسعى لمتابعة وإتمام عملها عن بعد.
وتصف آمنة حالة الرعب التي تصيب الجميع عندما يحدث خلل ما، ويفقدون وصول الانترنت وتلقي الدرس، إذ تبقى على أعصابها أكثر من أبنائها.
حال آمنة يتشابه مع حال العديد من الأمهات، فهي إمرأة عاملة، ولأنها وزوجها من محافظتين مختلفتين، ومن أجل العمل والاستقرار المعيشي فضلا العيش في العاصمة عمان منذ زواجهما، رغم تكلفة الحياة الصعبة، معلقة، أن هذا القرار حرمها وزوجها من عدم وجود أقارب مجاورين، أو بيت جد يعتمدون عليه في الأزمات والظروف الصعبة، ولذلك يقع على عاتقهما مواجهة أي ظرف بمفردهما.
وتتابع، ولأن أطفالي يتعلمون عن بعد، كطلاب وطالبات المملكة، تقدمت بطلب من صاحب العمل بإجازة العمل عن بعد، وذلك من باب العمل المرن الذي تطبقه بعض المؤسسات، وهذا الحال في العمل أصعب وأكثر مسؤولية، كونه يتزامن مع تنفيذ العديد من المهام بذات الوقت.
وتوضح أن مسؤولية أطفالها وتدريسهم على عاتقها، مؤكدة أن المسؤوليات كبيرة عليها من الأساس، فالعمل والقيام به بأفضل حال أمر مرهق، إذ يترافق مع واجبات الأسرة كمتابعة وتربية الأطفال والسهر على راحتهم، وتنظيف المنزل وتوفير طاقة للمجاملات العائلية وواجباتهم، واليوم التعليم عن بعد، والاهتمام بصحة الأسرة بشكل مضاعف، خصوصا مع كثرة الأخبار السلبية حول أعداد المصابين والتي تبعث بالطاقة السلبية للجميع.
وتنهي القول، “أشعر أني وصلت إلى حد لا أستطيع أن أتحمل أي عبء، خصوصا أن تراكم هذه المهات جعلها تخفق بكل الواجبات، ولا تنجز شيئا منها”.
اختصاصي علم النفس الدكتور علاء الفروخ يؤكد أن تراكم الأعباء على الأمهات وتحديدا العاملات في هذه الأزمة له مردود نفسي كبير، إذ إن كل شخص لديه سعة وطاقة محددة، لا يستطيع تحمل المزيد.
ويعود للحديث أن الحجر السابق بمدته الطويلة والتعلم عن بعد سببا أزمة نفسية للأردنيين، والأمهات العاملات هن الأكثر تضررا، لأن الأعباء كثيرة وتراكمت، بحيث لا شيء كما كان معتادا ومسيطرا عليه، فالمرأة عندما خرجت إلى عملها سابقا حاولت ترتيب حياتها رغم الضغوطات لتساعد عائلتها للعيش، أما الازمة الصحية العالمية الجديدة قلبت حياة الجميع.
يضيف، وباتت الأم هي المركز لتساعد الجميع في الاهتمام بصحتهم وحمايتهم من المرض، وهذا له أثر نفسي كبير عليها، وكذلك زيادة في تنظيف المنزل وتعقيمه وهو أمر متعب جسديا أيضا، ومسؤولية التعليم عن بعد، وخصوصا لمن لديها أطفال في مرحلة التأسيس.
ويبين أن الكثير يعتمدون على التدريس الخاص لأطفالهم، ما يعني تكلفة مالية عالية ومجهودا بدنيا ونفسيا عاليا مع الطفل لمساعدته على تجاوز هذه المحن الجديدة عليه. ويؤكد أن التفكير بجميع هذه الجوانب بالإضافة إلى العمل للمرأة العاملة يجعلها مثقلة وعاجزة في كثير من المواقف، وغير مسيطرة على شيء، ولا أي أمر يسير كما تريده، ما يعطيها شعور التقصير، وعبء هذا الشعور أيضا كبير.
ويرى أن هناك حلولا يمكن أن تكون عملية في تخفيف هذه المشاعر السلبية على الأم، وأهمها “عدم رفع سقف التوقعات، إذ العالم يعيش ظرفا استثنائيا وهو أمر يعود على الجميع، لذلك مهما كانت مخططات الأم المثالية في بيتها ودراسة أبنائها وعملها، يجب أن تقل، وأن تقوم بأفضل ما يمكن في ظل هذا الظرف الاستثنائي وليس أكثر”.
ويشرح لا داعي أن يكون البيت بكامل أناقته بشكل يومي كما كان سابقا، ولا داعي لدراسة الأطفال وإرهاقهم والحصول على أفضل النتائج، وعدم الرضا بما هو أقل بقليل، والسبب هذا الظرف الاستثنائي، وكذلك الحديث مع المديرين في العمل وشرح الظروف والتوافق على آلية للعمل تحت هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها الجميع وتحديدا الأم العاملة، والتي لديها أطفال يدرسون عن بعد.
والحل الآخر التحدث مع الزوج بشكل مباشر، ووضع هذه المشاكل ليست كشكوى يومية، على العكس الحديث معه مباشرة بالثقل الموجود على كاهلها، ومدى سوء حالتها النفسية، وأنها بحاجة للعون نفسيا وجسديا، وأن هذا ظرف يتوجب على الأسرة تقاسمه، وفق الفروخ.
اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع يوضح أن المرأة الأردنية عندما خرجت لسوق العمل زادت المهام الموكولة عليها في الأساس، إذ حاولت المواءمة بين الجهتين وهما البيت والعمل، ومع أزمة “كورونا” باتت أزمة الوقت تشكل ضغطا نفسيا عاليا جدا، مما أوجد حالة من القلق متعدد الجهات تجاه أسرتها وعملها، وخوفها على العائلة والقلق النفسي، إذ أثر في قدرة المرأة على أداء مهامها المثقلة بها من الأساس.
ويضيف أن قرارات الحكومة وجعل التعلم عن بعد محاولين السيطرة على الوباء، وضعت الأم أمام خيارات أحلاها مر وفق جريبيع، إما ترك العمل، وهذا ما قامت به عدد من النساء، أو التقصير بالتعامل مع الأولاد ودراستهم، والتي تحتاج إلى متابعة أكثر من الأهل.
ويقول، “إذا الطفل غير قادر على الجلوس لوقت طويل أمام شاشة الحاسوب لتلقي العلم، فهو أمر مرهق عليه وغير اعتيادي”، مؤكدا أن الأم وخصوصا العاملة تعيش في دوامة من القلق تؤثر عليها جسديا ونفسيا واجتماعيا.
ويصف أن انتاجية الأم استنفدت، وهذا ما يجعلها تصل لحالة العجز والشعور بالتقصير.
أما الحلول يقول جريبيع، “على الصعيد الرسمي يتوجب مراجعة قرارات بطريقة استثنائية، كما هو الحال في هذه الظروف الاستثنائية وتحديدا في موضوع التعلم عن بعد، وعلى الصعيد العائلي أي حمل موجود يجب أن يقسم، وسيكون أخف وتسير المركبة بأقل الأضرار”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock