ترجمات

الأنماط السكانية المتغيرة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط

باتريك كلاوسون* – (معهد واشنطن لسياسسة الشرق الأدنى) 22/11/2022

سوف تتجاوز أعداد السكان في دول المنطقة العديد من المتوسطات الديموغرافية العادية، وقد تؤثر التحولات السكانية الرئيسية في العالم أيضاً على كيفية تنافس القوى العظمى على النفوذ في المنطقة.

* *
يحظى الاختصاصيون الديموغرافيون في “إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية” التابعة للأمم المتحدة بتقدير كبير لعملهم عالي الجودة، ولا يشكل تقريرهم الصادر مؤخراً عن التوقعات السكانية في العالم استثناءً.

فإلى جانب المعلومات الديموغرافية التفصيلية التي أوردتها عن كل دولة عضو في الأمم المتحدة، تتضمن النسخة السابعة والعشرون تقديرات حول التغيرات التي ستطرأ على سكان كل دولة حتى العام 2100. وتشير هذه التوقعات إلى أن الوقائع الديموغرافية -وعلاقات القوة أيضاً على ما يفترض- ستتغير بشكل كبير في العديد من المناطق، بما فيها الشرق الأوسط.

غالبًا ما يكون التنبؤ علماً غير دقيق -وتشكل التحديات التي تواجه منظمي استطلاعات الرأي مثالًا على ذلك- إلا أن دراسة السكان (أو الديموغرافيا) هي أحد الاختصاصات التي تنتج تنبؤات يمكن أن يثق بها الممارسون والمستهلكون بشكل كبير، حتى لو كانت تنبؤاتها تمتد لعقود مقبلة.

وعلى سبيل المثال، يمتلك المراقبون فكرة واضحة عما سيكون عليه عدد السكان الذين يبلغون من العمر خمسين عاماً بعد خمسة وأربعين عاماً من الآن، ما لم تقع كارثة ما. فقد وُلد هؤلاء الناس بالفعل في نهاية المطاف.

وعند التنبؤ بالتغيرات التي ستطرأ على عدد السكان في بلد ما، تستخدم الأمم المتحدة ثلاثة سيناريوهات بثلاثة مستويات مختلفة: منخفضة، ومتوسطة، وعالية. ويركز التحليل الذي يرد أدناه على السيناريو المتوسط. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن السيناريو المنخفض كان في أغلب الأحيان هو الأكثر دقة خلال العقود الأخيرة، وأن توقعات الأمم المتحدة تعرضت لانتقادات لعدم أخذها في الاعتبار بشكل كاف مجموعة الاتجاهات الحديثة التي تقلل من عدد السكان.

ومع ذلك، فإن التوقعات الصادرة عن “مركز الخبرات للسكان والهجرة” (CEPAM) و”معهد التقييم والقياسات الصحية” بجامعة واشنطن، تشبه إلى حد كبير توقعات الأمم المتحدة التي تتنبأ بتبعات كبيرة سيرتبها تغير واقع السكان على الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط في العام 2100

تتوقع الأمم المتحدة أن يتراجع عدد السكان في اثنين من البلدان التي تضم العدد الأكبر من السكان في الشرق الأوسط -تركيا وإيران- بحلول العام 2100. ومن المتوقع أن ينخفض عدد السكان في تركيا من 85 مليوناً إلى 83 مليوناً، وفي إيران من 89 مليوناً إلى 80 مليوناً، مما سيطيح بمكانتهما كعمالقة ديموغرافيين في المنطقة.

بخلاف ذلك، من المتوقع أن يرتفع عدد السكان ارتفاعاً ساحقاً في بلدين متوسطي الحجم -العراق واليمن- مما سيزيد من أهميتهما الجيواستراتيجية. سوف يرتفع عدد سكان العراق من 44 مليونا إلى 112 مليون نسمة -أي من نصف عدد سكان إيران أو تركيا اليوم إلى أكبر من أي منهما بنسبة 40 في المائة.

وهذا يعني، من جملة أمور أخرى، أن البلد الذي سيضم أكبر عدد من المسلمين الشيعة في العالم سيكون العراق وليس إيران. ومن المرجح أن تجد أنقرة وطهران صعوبة أكبر في السيطرة على العراق الذي سيتجاوز عدد سكانه عدد سكانهما.

ويمكن النظر إلى هذه الأرقام بطريقة أخرى: يشكل عدد سكان العراق حالياً 75 في المائة من عدد سكان دول “مجلس التعاون الخليجي” الست مجتمعةً (البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة)، ولكن بحلول العام 2100 سيصبح عدد سكانه أعلى بنسبة 33 في المائة من عدد سكان دول مجلس التعاون.

كما أنه سيكون أكبر بـ2.2 ضعف من الـ50 مليون نسمة في المملكة العربية السعودية التي تعد أكبر دول مجلس التعاون الخليجي من حيث عدد السكان.

ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان اليمن من 34 مليونا إلى 74 مليون نسمة -أي أن عدد سكانه سينتقل من كونه أقل من عدد سكان السعودية، إلى كونه أعلى منه بنسبة 50 في المائة. وسيكون من شأن ذلك أن يجعل عدد سكانه يبلغ نسبة 90 في المائة من عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعةً، ويقارب عدد السكان في إيران أو تركيا.

أما مصر، فسوف تواصل انفجارها الديموغرافي؛ حيث سيتضاعف عدد سكانها تقريباً ليرتفع من 111 مليونا إلى 205 ملايين نسمة، لتتفوق بأشواط على بلدان المنطقة كافة. وبعبارات أخرى: سيكون عدد سكانها أكبر بنسبة 25 في المائة من عدد سكان إيران وتركيا مجتمعين، وما يقرب من ضعف عدد سكان روسيا (الذي من المتوقع أن ينخفض إلى 112 مليون نسمة).

إلا أن النمو السكاني سيكون أبطأ بكثير في دول جلس التعاون الخليجي. فعدد سكانها الإجمالي يبلغ حالياً 59 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى 84 مليوناً في العام 2100. ومع ذلك، يبقى هذا الارتفاع ملحوظاً في ظل التباطؤ الأوسع في النمو العالمي، كما أنه سيضع دول مجلس التعاون الخليجي في مرتبة أعلى من إيران وتركيا من حيث عدد السكان.

في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، تعرض الأمم المتحدة التوقعات الآتية:

  • سوف يتضاعف عدد سكان إسرائيل من 9.2 مليون إلى 18.4 مليون نسمة.
  • سيزداد عدد سكان فلسطين (أي غزة والضفة الغربية) من 5.2 مليون إلى 12.8 مليون نسمة.
  • سيتضاعف عدد سكان سورية تقريباً، من 22 مليونا إلى 43 مليون نسمة.
  • سيزداد عدد سكان الأردن من 11 مليونا إلى 18 مليون نسمة.
  • في المقابل، سوف ينكمش عدد سكان لبنان من 5.5 مليون إلى 4.7 مليون نسمة.
  • وفي المجموع، سيصل عدد سكان هذه البلدان الأربعة وفلسطين إلى 95 مليون نسمة؛ أي أكثر من عدد سكان تركيا أو إيران.

تنبؤات القوى العظمى

تكشف أرقام الشرق الأوسط عن جوانب إضافية إذا ما نظرنا إليها من منطلق التحولات السكانية المتوقعة في بلدان “القوى العظمى” التي تتنافس حالياً على النفوذ في تلك المنطقة؛ إذ يبلغ عدد سكان الولايات المتحدة اليوم 338 مليون نسمة، أي ما يعادل ربع سكان الصين. ولكن، من المتوقع أن يصل هذا العدد بحلول العام 2100 إلى 394 مليونا، أي أكثر من نصف العدد في الصين -الذي تتوقع الأمم المتحدة أن ينخفض بشكل كبير من 1.425 مليار إلى 767 مليون نسمة. ومن المتوقع أن يتقلص عدد سكان روسيا أيضاً؛ حيث ستنخفض نسبة سكانها مقارنةً بعدد سكان الولايات المتحدة من 43 في المائة إلى 28 في المائة. وبعبارة أخرى، من المرجح أن تواجه موسكو وبكين صعوبات حادة في الحفاظ على قوتهما الوطنية الحالية مقارنةً بواشنطن.

وفي المقابل، من المتوقع أن ينمو عدد سكان الهند بشكل متواضع من 1.417 مليار إلى 1.530 مليار نسمة، أي ضعف عدد سكان الصين. وهذا يشير إلى أن أهميتها كقوة عالمية قد ترتفع هي أيضاً. ومن المثير للاهتمام أن عدد سكان الهند لن ينمو بالسرعة التي سينمو بها عدد سكان أميركا، مما يوضح دينامية ديمغرافية مستمرة في الولايات المتحدة تعود في جزء كبير منها إلى الهجرة.

ويمكن قول إن التغيير الأكثر لفتاً للانتباه في عدد سكان العالم سيكون بروز إفريقيا جنوب الصحراء كعملاق ديموغرافي. وتشكل هذه المنطقة حاليًا موطناً لنحو 1.166 مليار شخص، أو 78 في المائة من عدد سكان الصين، ولكن بحلول العام 2100 من المتوقع أن يصل عدد سكانها إلى 3.442 مليار نسمة، مما سيجعل نسبتهم تعادل 450 في المائة من عدد سكان الصين، وأكثر من ثمانية أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة.

*اتريك كلاوسون: هو “زميل مورنينغستار” الأقدم ومدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

اقرأ المزيد : 

بعد شهرين.. عدد سكان الأردن سيصل 11 مليون نسمة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock