أفكار ومواقف

الإبداع في المؤسسات البيروقراطية

كان يبدو عليه الضيق والتبرم. سألته: ما بك؟
استطاع ان يلتف كثيرا على الإجابة، وأن يخبرني عن صعوبات الحياة، ومتطلبات الأبناء الذين يكبرون سربعا، من دون أن يستشيرونا بنضجهم ومتطلبات مراحل ذلك النضج، فنكتشف الأمر متأخرين، لنكون وقتها قد خسرنا أن نكون معهم في ذلك الوقت بالذات.
ومع ذلك، لا تقتنع بتلك الإجابة. تثبت عينيك في عينيه، وتسأله بشكل مباشر وصريح: ما الأمر؟!
عندها، وعندها فقط، تنحل عقدة لسانه. فيبدأ بالكلام بلا أي ضوابط أو حسبان. يقول: عرضت علي وظيفة لها علاقة بالإبداع والتفكير خارج سياق «الصندوق» الذي نحاول مغادرته جميعنا، والذي يصر علينا العارفون أننا لن نقدم أي إبداع إن نحن بقينا محصورين فيه. أحببت فكرة العمل في هذه الشركة التي يبدو عليها أنها ليست تقليدية في عملها، وقبلت بالوظيفة.
تابع حديثه: قلت وقتها إنني سوف أمارس التفكير بدلا من الانصياع لرتابة الأوامر والتطبيق والتنفيذ الآلي لجملة الأوامر المتوفرة التي لا تفضي إلى شيء مهم، سوى إلى إنجاز كومة من الأوراق والأعمال المعدة سلفا ربما منذ أكثر من عام، إضافة إلى الانصياع التام لمجموعة الإجراءات التي لا تتغير ولا تتبدل. لذلك قبلت، وقلت سأغير كل الأنماط البالية هذه.
أخبرني أنه عاش أكثر من عام وهو يجتهد في تصميم نمط عمل جديد له ولزملائه، ويتشارك معهم في التنفيذ. بحيث استطاع أن يصمم مسارا جدبدا للعمل في تلك الشركة، بما يحمله ذلك المسار من قراءات جديدة للواقع المعاش، وما ينفتح عليه من قراءات يمكن لها ان تؤسس لطريقة مغايرة في النظر إلى الأمور.
كان صديقي يعيش أفضل أيام حياته في تلك الفترة، فقد استطاع أن يكسب ثقة مديريه، وأن يريهم أنه قادر على العمل بإبداع إن واتته الفرصة.
لكن، ومثل كل الأمور الجميلة، سرعان ما تنتهي. فالامر لم يستمر طويلا. تغيرت الإدارة، فتغير كل شيء، إذ ما لبثت الشركة أن استعادت رباطة جأشها، وانحازت إلى بيروقراطيتها المعتادة. فالإبداع ممنوع داخل المؤسسة البيروقراطية التي تستمد قوتها من انحيازها لرتابة الأمور وديمومتها، ومقاومة التغيير في الانزياحات الوظيفية، وإبقاء سيرورة الأمور ضمن ما هو «معقول» من إمكانات التغيير!
صديقي يكفر اليوم بهذا العمل، وبما أنه رتب أمور حياته على الدخل الجديد، فهو عاجز عن الإقدام على أي مغامرة تشمل أي تغيير حياتي ووظيفي غير محسوب، لكنه أكد لي أنه ينتظر الفرصة المناسبة للإفلات من هذا القيد.
بالنسبة لي، أثق بصديقي. وأثق بأنه قادر على الدوام أن يخترع طريقا إضافية في العمل الذي يبرع به، وأن يكون مبدعا في مجاله، لكنه بالتأكيد لن يكون قادرا على تحقيق هذا الأمر إن تم إغراقه في العمل الإداري الذي لا ينتهي!
يتساءل صديقي بحرقة: لماذا يتوجب على المؤسسات أن تتعامى عن التخصص والإبداع؟!
هو سؤال حقيقي، لا يمكن القفز عنه إن منحنا عامل التنافس السوقي أولوية في عملنا. هل نحن نريد أن نكون الأوائل في عملنا؟
للأسف، سنجيب بنعم، ولكننا لن نتخذ الأسباب لتحقيق ذلك، ولن نترك المبدعين ليعبدوا لنا الطريق نحو التفوق والتميز، بل سنقتلهم بالرتابة والروتين البغيضين، ونحاسبهم على أمور ثانوية وغير ذات أهمية على الإطلاق.
النصيحة مجانية في هذا السياق؛ هناك أناس يبرعون في العمل المكتبي، وهم قادرون على القيام بكل ما يتطلبه هذا العمل ببراعة وصبر. بينما هناك من يفرون من أعمال مثل هذه حتى لو كانت بدخل يساوي أضعاف دخلهم. هؤلاء هم المبدعون الذين يستطيعون التفكير بالتميز، والتنفيذ بإبداع وابتكار. انتقوا الشخص المناسب للوظيفة المناسبة.. وحاسبوه!
بالنسبة لصديقي، أنا واثق بأنه سيجد قريبا مخرجا من المأزق الذي يمر به. قلت له، اعتبرها استدارة صغيرة عن الهدف، وسرعان ما ستجد طريقك من جديد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock