أفكار ومواقف

الإبداع والفرص يتشكلان بالتعليم مدى الحياة

يبدو الطلب اليوم في سوق العمل يتزايد على المهارات المعرفية المتقدمة والإبداعية، وفي التغير الكبير والسريع في المهارات المطلوبة صارت المؤسسات التعليمية تواجه تحديا في قدرتها على تلبية متطلبات سوق العمل، ويلاحظ البنك الدولي أن هذا التحول في الأعمال يزيد أهمية التعليم في الطفولة المبكرة والتعليم العالي وتعليم الكبار خارج الوظائف والمؤسسات التقليدية والتعلم الذاتي المستمر طوال الحياة.
لقد جعلت الحوسبة ومتوالياتها التكنولوجية كثيرا من الوظائف والأعمال عتيقة وليست موضع طلب، فعلى سبيل المثال يجعل انخفاض أسعار المعدات والأجهزة مهارات الإصلاح والصيانة قليلة الجدوى والأهمية، وأصبح من فضول القول إن الأطفال الذين يذهبون إلى المدارس اليوم سوف يعملون عند تخرجهم في مهن وأعمال ليست موجودة بعد، وهناك بالطبع كثير من الأعمال والمصالح القائمة اليوم لم تكن موجودة قبل ثلاثة عقود أو عقدين من الزمان، وفي مقدور أي واحد منا أن يتذكر أو يقوم بجولة مشيا على الأقدام في الشوارع والأسواق ويلاحظ أنماطا واتجاهات من الأعمال التجارية والمصالح لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة ويستطيع أن يتذكر أيضا كثيرا من الأعمال والمصالح التي كانت موجودة ثم اختفت. وعلى سبيل المثال يعمل اليوم في الهند حوالي 4 ملايين شخص في تطوير التطبيقات الحاسوبية وأجهزة الموبايل؛ وحوالي نصف مليون مزارع في أوغندا يشتغلون في الزراعة العضوية. ويتوقع أن يزيد الطلب على العاملين في تصميم المواقع الالكترونية وفي الدراسات الاكتوارية وتحليل البيانات الضخمة والمعقدة. ولم يعد نادرا القول إن أعمال السكرتاريا وإدخال البيانات تتجه إلى الذاتية والتحوسب. ويمكن الملاحظة كيف يتزايد الطلب على الاشتراك في خدمات الإنترنت واقتناء الحواسيب والموبايلات الذكية في المنازل والمكاتب، ويؤثر ذلك بالطبع على تسيير الأعمال والخدمات الذاتية والتجارية، ووجهتها وطبيعتها أيضا.
تؤكد دراسات تطوير القوى العاملة على المهارات المعرفية المتقدمة، والمهارات الاجتماعية – العاطفية ، والقدرة على التكيف ، وهي مزيج من المهارات المعرفية والاجتماعية – العاطفية. ويبدو مرجحا بالطبع أن المعرفة المتقدمة والقدرة على الاستيعاب والتكيف هي أفضل وأهم ما يمكن عمله لأجل مرحلة اختلافها مؤكد، لكن معالمها ليست واضحة. ومن الملفت كما يلاحظ البنك الدولي أن الطلب على المهارات المتوسطة قد تزايد في الأردن بين عامي 2000 – 2016 بنسبة 7.5 % خلافا لاتجاهات الطلب على الأعمال والمهارات! وحدث نمو بنسبة أقل على المهارات مرتفعة المستوى، لكن يبدو واضحا تراجع الطلب وبنسبة كبيرة على الأعمال منخفضة المهارة.
وتظهر دراسات تحليل الأجور أنها زادت بنسبة 10 – 20 %بسبب القدرة على حل المشكلات وتعلم مهارات جديدة وخاصة تلك المهارات التي لا تستطيع الآلات (حتى الآن) تعلمها مثل المهارات الاجتماعية والعاطفية والتعرف على المشاعر والاهتمام بالآخرين وإقامة علاقات إيجابية، ومن المرجح أن يظل الطلب على الإبداع والابتكار والتفاعل الاجتماعي عالياً. ويمكن أن تتضمن قائمة المهارات المطلوبة الرغبة في المعرفة والتعلم والذكاء العاطفي والتعاطف والقيادة والعمل الجماعي وحل النزاعات وإدارة العلاقات، و حتى عندما يحوسب التشخيص الطبي؛ سيظل الأطباء يلعبون دورا حيويا في تقديم التعاطف وإدارة المعلومات والتفاوض على المواقف الصعبة بطريقة إنسانية.
إن المهارات والأعمال والمهن التي تطورت عبر القرون وعلى نحو متراكم وليس مفاجئا تبدو اليوم عرضة للتغير فجأة بين عشية وضحاها، وهذا يتطلب قدرة وجرأة في التخلي عن كثير من أساليب ومحتويات التعليم والتدريب وإعادة التعلم بسرعة، الأمر الذي يجعل التفكير النقدي وفهم المشكلات وحلها مهارة أساسية وضرورية، وكذلك القدرات النفسية والعاطفية المتقدمة والقدرة على التنبؤ والاستشراف، ويظل التحدي الأساسي اليوم هو في إدخال هذه المعارف والمهارات في المناهج التعليمية ومنذ مرحلة الطفولة المبكرة، ويتحمل الأفراد أيضا مسؤولية كبيرة لمواصلة التعليم الذاتي من أجل التكيف وتطوير المهارات واستدراك ما تفوته المؤسسات التعليمية والتدريبية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock