أفكار ومواقف

الإخضاع كعلاقة مشوهة

موفق ملكاوي

دراسة السلوك البشري في تمظهراته المتعددة والمتغيرة عملية مهمة، وشاقة في الآن نفسه. كيف يتصرف الإنسان حين يكون ضعيفا، وما هي خياراته حين يكون قويا؟ ما الصفات التي تتلبسه حين يكون رئيسا، أو حين يكون مرؤوسا؟

إن واحدة من أكثر حالات الإنسان إدهاشا، وربما ثراء للدراسات، هو كيفية تعامله مع السلطة الممنوحة له، أو كيفية تعامله حين يكون خاضعا لسلطة ما، وطريقة التعامل مع هامش الحرية في تمدده أو تقلصه.

رأينا حكاما ديكتاتوريين ولغوا في دماء الشعوب، ذلك أنهم استكانوا إلى السلطة المطلقة الممنوحة لهم، وأنه ما من شيء أو أحد سيزحزح المعادلة المستتبة على خنوع بين الطرفين؛ حكام بجبروت لا نهائي، وشعوب بلا قوة تخشى أن تخسر وجبتها التالية.

لكن الأمر لا يتحدد بهذا القوس الواسع من العلاقة التي تحكم السلطة بالشعب، بل قد تكون أضيق من ذلك بكثير، كعلاقة الأشقاء التي يسودها التنمر، أو علاقة حبيبين رأى أحدهما في الآخر نزوعا للمسامحة والاعتذار، لكي يقيم حبل الود.

من هنا قد تنشأ مشكلة عميقة تتمثل في عدم قدرة الطرف الآخر على فهم منطلقات التسامح التي يمارسها الشخص المقابل. قد لا تكون قلة حيلة أو فهم أو معرفة. قد تكون أمرا آخر تماما.

في العام 1971، قررت جامعة ستانفورد إجراء تجربة عظيمة لتبيان مدى هشاشة الإنسان، وسرعة اكتسابه سمات جديدة، بعضها قد يكون غاية في البشاعة، وتنم عن نفس إنسانية مريضة في حال تأكدها أن من يقابلها ضعيف ولا يمتلك أيا من أدوات المقاومة أو الرفض، وأخرى قد تكون غاية في الضعف والاستكانة والانسحاب من التأثير.

اختارت ستانفورد تجربة تمثيلية من خلال متطوعين قسمتهم إلى سجناء وسجانين، ومنحت من مثلوا دور السجانين سلطة كبيرة على السجناء الذين ارتضوا الخضوع للتجربة.

النتائج جاءت مفزعة، وبعضها كارثي يعبر عن النزعة الأصيلة داخل الإنسان لحب السيطرة، وربما عن نزعات دفينة نحو السادية، فقد تلذذ السجانون بتعذيب السجناء، وحرمانهم من كثير من الحقوق، ليصل الأمر إلى الحرمان من النوم والتعذيب الجسدي والإيذاء، وغيرها.

ما اضطر الجامعة إلى وقف التجربة قبل اكتمالها بعد تخطيها الجوانب الأخلاقية، لتتماهى بذلك مع “اختبار ملغرام”، أو ما اصطلح على تسميته “دراسة سلوكية للطاعة”، التي درس فيها العالم ستانلي ملغرام “الانصياع للسلطة” وقياس “مدى الاستعداد لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع الضمير”.

المسألة لا تتحدد دائما بالسلطة السياسية أو الاقتصادية، وأيضا، لا تتحدد دائما بالكراهية أو الرغبة في الانتقام، فأحيانا تأتي مثل هذه الممارسات من باب العلاقات التي يتوجب أن تكون أكثر العلاقات سموا، وهي المحبة على اختلاف إطلاقاتها.

حين تستولي الخيلاء والغرور وحب السيطرة والتحكم على أحد الطرفين، ويعتقد جازما أن جميع ما سيفعله سيكون مباحا ما دام الطرف الآخر منحه السلطة الكاملة على نفسه، وأنه سيكون خاضعا لجميع ما قد يأتي به من أفعال أو أقوال.

فقد حكم بذلك العلاقة على أنها علاقة إخضاع مشوهة تتأسس على تابع ومتبوع، حاكم ومحكوم، وسيد وعبد، مع جميع ما تقترحه هذه العلاقة من هوامش تظهر فيها تجليات “سوداء” للإنسان وبواعثه الخفية.

في تجربة ستانفورد تتجلى بشاعة الطبائع البشرية التي تكون متوارية أحيانا، وتنتظر الظروف المواتية للتعبير عن نفسها. بينما تكشف تجربة ملغرام عن الاستعداد “الفطري” للخضوع للسلطة، والتماهي مع حالة العبودية التي يتلبسها بعضهم في الظروف المختلفة.

بينما تكشف التجربتان معا عن أننا نحن من نمنح الأشخاص السلطة على أنفسنا. ربما ليس عن طيب خاطر أحيانا، ولا عن اقتناع، بل ربما نلجأ إلى ذلك مجبرين. لكن الثابت أنه ما من شيء سيسهم في إضعافنا أكثر من أنفسنا.

المقال السابق للكاتب:

الجاهلية” والحكم القيمي!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock